فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 3657

كان الحلم والعفو والصفح شيمة هذا الرسول الكريم، حتى إنه لم ينتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حدود الله تعالى، فقد كان لرجل من اليهود دين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه يتقاضاه منه وأغلظ له في الكلام فرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بحلم وصفح-على ما يتبين من هذه الرواية-حتى أداه ذلك إلى الإسلام، فقد كان زيد بن سعنة من أحبار اليهود وأتى النبي صلى الله عليه وسلم"يتقاضاه فجبذ ثوبه عن منكبه الأيمن، ثم قال:إنكم يا بني عبد المطلب أصحاب مطل، وأني بكم لعارف، فانتهره عمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا عمر أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج:أن تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي، انطلق يا عمر أوفه حقه، أما أنه قد بقي من أجله ثلاث [أي لم يحن أجل الدين بعدُ، بل بقي منه ثلاث] فزده ثلاثين صاعًا، لتزويرك عليه"، ورواه ابن حبان وفيه:"فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ونفر من أصحابه، فلما صلى على الجنازة دنا من جدار فجلس إليه، فأخذت بمجامع قميصه ونظرت إليه بوجه غليظ، ثم قلت: ألا تقضيني يا محمد حقي؟ فو الله ما علمتكم بني عبد المطلب بمطل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم، قال: ونظرت إلى عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره، وقال: أي عدو الله، أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع وتفعل به ما أرى؟ فو الذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي هذا عنقك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة، ثم قال: إنا كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعًا من غيره، مكان ما رعته، قال زيد فذهب بي عمر فقضاني حقي وزادني عشرين صاعًا من تمر، فقلت:ما هذه الزيادة؟ قال:أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أزيدك مكان ما رعتك، فقلت:أتعرفني يا عمر؟ قال:لا فمن أنت؟ قلت:أنا زيد بن سعنة، قال:الحَبْر؟ قلت:نعم الحَبْر، قال:فما دعاك أن تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلت وتفعل به ما فعلت؟ فقلت: يا عمر كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أختبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، فقد أختبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا، وأشهدك أن شطر مالي-فإني أكثرها مالًا-صدقة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: أو على بعضهم؟ فإنك لا تسعهم كلهم، قلت:أو على بعضهم، فرجع عمر وزيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ..الحديث"فحلم عليه، ولم يرد عليه بمثل ما قال، بل زاده في حقه من أجل انتهار عمر له، وعن أنس بن مالك قال كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء"فلم يقابل جفاء الأعرابي وغلظته وقسوته عليه إلا أن التفت إليه وضحك، ثم أعطاه ما سأل، فما أحلمك يا رسول الله.

وقد حاربته قريش أشد المحاربة، وألَّبوا عليه القبائل وآذوه وآذوا أصحابه، فلما أمكنه الله منهم وأظهره عليهم ودخل مكة فاتحًا في عام الفتح في موقف النصر والعزة والتمكين، لم يعاملهم بما يستحقونه من العقاب البليغ، بل عفا عنهم"وقال لهم حين اجتمعوا في المسجد: ما ترون أني صانع بكم؟ قالوا:خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال:اذهبوا فأنتم الطلقاء".

شجاعته صلى الله عليه وسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت