فهرس الكتاب

الصفحة 404 من 3657

وعن عبد الله بن أبي أوْفَى رضي الله عنه أنه سئل هل أوصى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟... قال: "أوصى بكتاب الله عز وجل" ( [184] ) . والمراد بالوصية بكتاب الله: حفظه حسًّا ومعنى، فيكرم ويصان، ويتبع ما فيه: فيعمل بأوامره، ويجتنب نواهيه، ويداوم على تلاوته وتعلمه وتعليمه ونحو ذلك ( [185] ) .

وأمر عليه الصلاة والسلام وأوصى بإنفاذ جيش أسامة رضي الله عنه، وقد ذكر ابن حجر رحمه الله تعالى أنه كان تجهيز جيش أسامة يوم السبت قبل موت النبي صلّى الله عليه وسلّم بيومين، وكان ابتداء ذلك قبل مرض النبي صلّى الله عليه وسلّم، فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر، ودعا أسامة وقال: "سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش..." فبدأ برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجعه في اليوم الثالث فعقد لأسامة لواء بيده فأخذه أسامة، وكان ممن انتدب مع أسامة كبار المهاجرين والأنصار، ثم اشتد برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجعه فقال: "أنفذوا جيش أسامة" فجهزه أبو بكر بعد أن استخلف فسار عشرين ليلة إلى الجهة التي أمر بها، وقتل قاتل أبيه ورجع الجيش سالمًا وقد غنموا.." ( [186] ) .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم بعثًا وأمَّر عليهم أسامة بن زيد فطعن بعض الناس في إمارته فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة ( [187] ) وإن كان لمن أحبِّ الناس إليَّ، وإنَّ هذا لمن أحبّ الناس إليَّ بعده" ( [188] ) . وقد كان عُمْرُ أسامة رضي الله عنه حين توفي النبي صلّى الله عليه وسلّم ثمان عشر سنة ( [189] ) .

وأوصي صلّى الله عليه وسلّم بالصلاة وما مكلت الأيمان، فعن أنس رضي الله عنه قال: كانت عامة وصية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين حضره الموت: "الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم" حتى جعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يغرغر صدره ولا يكاد يفيض بها لسانه" ( [190] ) .

وعن علي رضي الله عنه قال: كان آخر كلام النبي صلّى الله عليه وسلّم: "الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم" ( [191] ) .

وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة ومنها:

1 ـ وجوب إخراج المشركين من جزيرة العرب؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أوصى بذلك عند موته، وقد أخرجهم عمر رضي الله عنه في بداية خلافته، أما أبو بكر فقد انشغل بحروب الردة.

2 ـ إكرام الوفود وإعطاؤهم ضيافتهم كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أوصى بذلك.

3 ـ وجوب العناية بكتاب الله حسًّا ومعنى: فيكرم، ويصان، ويتبع ما فيه في فيعمل بأوامره ويجتنب نواهيه، ويداوم على تلاوته، وتعلمه وتعليمه ونحو ذلك؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أوصى به في عدة مناسبات، فدل ذلك على أهميته أهمية بالغة مع سنة النبي صلّى الله عليه وسلّم.

4 ـ أهمية الصلاة؛ لأنها أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ ولهذا أوصى بها النبي صلّى الله عليه وسلّم عند موته أثناء الغرغرة.

5 ـ القيام بحقوق المماليك والخدم ومن كان تحت الولاية؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أوصى بذلك فقال: "الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم".

6 ـ فضل أسامة بن زيد حيث أمَّره النبي صلّى الله عليه وسلّم على جيش عظيم فيه الكثير من المهاجرين والأنصار، وأوصى بإنفاذ جيشه ( [192] ) .

7 ـ فضل أبي بكر حيث أنفذ وصية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في جيش أسامة فبعثه؛ لقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ( [193] ) .

المبحث العاشر: اختياره صلّى الله عليه وسلّم الرفيق الأعلى

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يخيَّر بين الدنيا والآخرة، فسمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم في مرضه الذي مات فيه وأخذته بحَّةٌ ( [194] ) [شديدة] يقول: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} ( [195] ) قالت فظننته خير حينئذ ( [196] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت