حتى فتح مكة لم يبق في يد أعدائه أيُّ وسيلة للإيذاء لم يجربوها معه ولم يوجهوها نحوه. تأملوا معي كيف أنهم أخرجوه هو ومن يقف معه من بيوتهم إلى منطقة صحراوية معلنين عليهم المقاطعة، ومعلقين بنود هذه المقاطعة الشريرة على جدار الكعبة، وكانت تقضي بعدم التعامل معهم بيعًا وشراء وعدم التزوج من بناتهم أو تزويج بناتهم لهم.
وقد دامت هذه المقاطعة ثلاث سنوات بحيث اضطروا إلى أكل العشب والجذور وأوراق الأشجار، حتى هلك منهم الأطفال والشيوخ من الجوع دون أن تهتز منهم شعرة، أو تتحرك عندهم عاطفة رحمة. ولم يكتفوا بهذا، بل اضطروهم لترك بيوتهم وأوطانهم والهجرة إلى أماكن أخرى بعيدة. ولم يدعوهم في راحة هناك فبدسائسهم المختلفة سلبوا منهم طعم الراحة والاطمئنان.
وفي غزوات بدر وأُحد والخندق اشتبكوا معهم في معارك ضارية، وحرموهم حتى من أبسط حقوقهم كزيارة الكعبة، وأرجعوهم إلى ديارهم بعد إبرام معاهدة ذات شروط قاسية. ولكن الله تعالى أنعم عليهم ففتحوا مكة ودخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس جيش عظيم.
فكيف كانت معاملته لأهل مكة بعد كل هذا التاريخ المملوء عداوة وبغضًا؟ لقد قال لهم:"اذهبوا فأنتم الطُلَقاء". ولولا أنني أخذت هذا الدرس منه لما كنت قد تصرفت هكذا لو كنت في موقعه، ولا أشك أنكم تشاطرونني رأيي هذا.
ويدخل مكة على مركبه والدرع على صدره والمغفر على رأسه والسيف في يده والنبال على ظهره. ولكنه مع كل مظاهر لباس الحرب هذه كان أنموذجًا للشفقة والرأفة. سأل أهل مكة:"ما ترون أني فاعل بكم؟"فأجابوه:"خيرًا.. أخٌ كريمٌ وابن أخ كريم". فقال لهم ما قاله يوسف عليه السلام لإخوته: {لا تثريبَ عليكم اليوم يَغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} (يوسف: 29) [9] .
لم يقصر في حياته أبدًا من ناحية اتخاذ الحيطة. وليس هناك من استطاع مثله الجمع بقوة بين اتخاذ التدبير والتوكل. عندما خرج بأصحابه إلى بدر امتحنهم. كان كل منهم كالطود الشامخ لا يخاف الوقوف وحده أمام جيش بكامله، وعندما قال له سعد بن معاذ -وفي رواية سعد بن عبادة-:"يا رسول الله! والذي نفسي بيده لو أمرتَنا أن نخيضها البحار لأخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى بَرْكِ الغِمَاد لفعلنا ما تخلَّف منا أحد" [10] .
فإنه كان يعطي أنموذجًا لهؤلاء، ثم ما أكثر المعاني التي يحملها قوله للرسول صلى الله عليه وسلم:"فصِلْ حِبال من شئتَ واقطعْ حبال من شئت وعادِ من شئت وسالِمْ من شئت وخذ من أموالنا ما شئت". [11] .
كان المقاتلون متهيئين فكأن كل واحد منهم سعد بن معاذ، ومع ذلك لم يقصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في اتخاذ التدابير، بل كان يهيئ كل الوسائل والأمور الضرورية للحرب. وبعد هذا الدعاء الفعلي -لأن اتخاذ الوسائل دعاء فعلي- رفع يديه إلى السماء مبتهلًا إلى الله من كل قلبه ضارعًا وملتجئًا إليه.
واندمج في دعائه بحيث كان رداؤه يسقط دون أن يشعر بذلك ولم يتحمل أبو بكر الذي كان يراقب هذا المنظر، فكان يعيد عليه رداءه ويقول:"يا نبيّ الله! كفاك مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك". [12] فمثل هذا المستوى الرفيع من التوكل على رب العالمين بعد اتخاذ كل هذه التدابير صفة تميز بها ذلك الإنسان.. إنسان الذروة صلى الله عليه وسلم.
الرحمة العالمية
لقد ذكرت في بداية هذا الموضوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مثال الرحمة التي استفاد منها الكل؛ المؤمن والكافر والمنافق. يستفيد المؤمن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يقول بأنه أقرب للمؤمنين من أنفسهم.
صحيح أن المفسرين يقولون إن الرسول صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون أعز وأحب إلى المؤمنين من أنفسهم، استنادًا إلى الآية الكريمة: {النبي أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم} (الأحزاب: 6) . ولكن الحقيقة أن المعنيين متقاربان من بعضهما، فنحن نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أنفسنا، والرسول صلى الله عليه وسلم يحب من يحمل له هذه العاطفة بالحب نفسه؛ ذلك لأنه رجل مروءة كبير.
هذا حب عقلي ومنطقي، ومع أن لهذا الحب جانبه العاطفي إلا أن بُعد المعرفة وعمق المنطق يشكلان الجانب الأساسي فيه. ولو تم بحث هذا الموضوع وتسليط الأضواء عليه، تجذر هذا الحب عند الإنسان وقوي إلى درجة أن يسير وراء ذكره كما سار"قيس"وراء ليلاه، وكلما ذكر اسمه أحس كأن دخانًا يخرج من أنفه، ويُعِدّ حياته التي انقضت دون رؤيته كأنها حياة منفى وهجر.
أجل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرب إلينا من أنفسنا. كيف لا ونحن نرى الكثير من الشرور والآثام من أنفسنا، بينما لم نرَ منه سوى الكرم والرحمة والخير والشفقة والمروءة، فهو يمثل الرحمة الإلهية؛ لذا فلا شك أنه أقرب إلينا من أنفسنا.