فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 3657

وعندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه أقرب إلى المؤمنين من أنفسهم فقد صدق، فالله تعالى يقول {النبي أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم} (الأحزاب: 6) . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفِّي وعليه ديْن فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فهو لورثته". [13]

وبداية هذا الحديث:... عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين، فيسأل:"هل ترك لدينه من قضاء؟"، فإن حدث أنه ترك وفاء صلَّى عليه، وإلا قال:"صلّوا على صاحبكم". فلما فتح الله عليه الفتوح، قال:"أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفِّي وعليه دين فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فهو لورثته". [14] وكون الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم في الدنيا والآخرة يُعَدّ رحمة، وناحية الرحمة هذه مستمرة إلى الأبد.

كان رحمة للمنافقين أيضًا. فبسبب هذه الرحمة الواسعة لم يرَ المنافقون العذاب في الحياة الدنيا. فقد حضروا إلى المسجد واختلطوا بالمسلمين واستفادوا من كل الحقوق التي تمتع بها المسلمون. ولم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم بفضحهم وإفشاء أسرار نفاقهم أبدًا مع أنه كان يعرف دخائل نفوسهم ونفاقهم، حتى إنه أخبر حُذيفة رضي الله عنه بذلك [15] . لذا، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يراقب حُذيفة، فإن رآه لا يصلي على جنازة لم يصلها هو كذلك. [16]

ومع ذلك فلم يهتك الإسلام سرهم، فبقوا بين المؤمنين، وانقلب كفرهم المطلق إلى ريبة وشك على الأقل، فلم يحرموا من لذائذ الدنيا؛ لأن الإنسان الذي يعتقد أنه سيفنى ويذهب إلى العدم لا يمكن أن يهنأ في عيشه، ولكن إن انقلب كفره إلى شك وشبهة فإنه يقول في نفسه:"ربما توجد هناك حياة أخروية"، عندئذ لن تكفهر حياته تمام الاكفهرار. ومن هذا المنطلق كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة لهم بهذا المعنى.

كما استفاد الكفار من رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى كان يهلك من قبل الأمم الكافرة بسبب كفرها وعصيانها هلاكًا جماعياًّ، بينما رفع الله تعالى بعد بعثة نبينا هذا الهلاك الجماعي، فاستفاد الناس من خلاصهم من مثل هذا العذاب، فكان ذلك نعمة دنيوية بالنسبة للكفار. يخاطب الله تعالى نبيه في هذا الخصوص فيقول: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} (الأنفال: 33) .

أجل، فمن أجل حرمة النبي صلى الله عليه وسلم رفع الله تعالى العذاب والهلاك الجماعي. وبينما كان النبي عيسى عليه السلام يقول لله تعالى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك} (المائدة: 118) . نرى أن الله تعالى يقول لنبيه: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} .

فتأمل قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته عند الله، أي طالما أنت تعيش بينهم فلن يعذبهم الله. طالما أن ذكرك موجود، وتلهج به الألسنة، وطالما أن الناس يتبعون طريقك فلن يعذبهم الله ولن يهلكهم.

وإحدى الجهات التي استفاد الكفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"إني لم أُبعث لعّانًا، وإنما بُعثت رحمة". [17] أي إنني بعثت رحمة من قبل الله تعالى للناس أجمعين، ولم أبعث لكي أستمطر اللعنة والبلايا والمصائب على الناس. ولهذا تمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتداء ألدّ أعداء الإسلام، وبذل كل جهوده ومساعيه لتحقيق هذا.

حتى جبريل عليه السلام قد استفاد من النور الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا وهو يشير إلى القرآن:"هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟"قال:"نعم، كنت أخشى العاقبة، فأمنت لثناء الله عز وجل عليّ بقوله: {ذي قوة عند ذي العرش مكين * مُطاعٍ ثَمّ أمين} (التكوير: 20-21) " [18] .

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:"أنا محمد وأحمد والمقفَّى [19] ، وأنا الحاشر [20] ، ونبي التوبة ونبي الرحمة". [21] وباب التوبة مفتوح حتى يوم القيامة؛ لأن رسول الله نبيُّ الرحمة والتوبة، ونبوته وحكمه ماض إلى يوم القيامة.

كان إذا رأى طفلًا أو صبيًّا يبكي جلس وبكى معه؛ إذ يشعر في وجدانه ألم الأم وعذابها. ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه نجد نموذج هذه الرحمة، وهذه الشفقة التي لهجت بها الألسن؛ إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وَجْد أمه به". [22]

كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلة، ولا سيما النوافل منها؛ إذ كانت تتجاوز طاقة الصحابة، ولكنه عندما يقف للصلاة يريد إطالتها ويسمع بكاء طفل في أثنائها؛ إذ به يخفف صلاته ويتَجوَّز فيها؛ ذلك لأن النساء كن يقفن للصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يشتركن في أداء صلاة الجماعة خلفه، فخوفًا من أن تكون أم ذلك الطفل موجودة بين المصليات فإنه كان يخفف صلاته، ويسرع بها لكي يريح قلب تلك الأم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت