فهرس الكتاب

الصفحة 425 من 3657

كان في كل مسألة نموذجًا للشفقة؛ فبكاء طفل كان يؤلمه، بل كان يبكيه. ولكن المهم هو أنه بكل شفقته الواسعة الباهرة، ورحمته كان متوازنًا، فمثلًا رحمته الواسعة هذه لم تكن حائلة أمامه في تطبيق الحدود الشرعية؛ مهما كان شكل هذه الحدود وكيفيتها.

جاءه أحد الصحابة وهو ماعز رضي الله عنه قائلًا له:"طهِّرْني يا رسول الله". فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا له:"ويحك، اِرْجِعْ فاستغفر الله وتب إليه". إلا أن ماعزًا كان يُصِرّ على التطهر ويطلبه. وعندما كرّر طلبه للمرة الرابعة سأله الرسول صلى الله عليه وسلم:"فيم أطهرك؟"، فقال ماعز: من الزنى يا رسول الله.

كان ماعز متزوجًا، أي محصنًا، وعقاب الزنى للمحصن هو القتل رجمًا. ولكي يبقى هذا الأمر منقوشًا في الأذهان حتى يوم القيامة فقد التفت إلى من حوله سائلًا:"أبه جنون؟"فأُخبر أنه ليس بمجنون. وفي رواية: ما نعلمه إلا وفيّ العقل، من صالحينا فيما نرى.

فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أشَرب خمرًا؟"فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح خمر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لماعز:"أزَنيت؟"فقال: نعم. فأمر برجمه، فسيق ماعز إلى المصلى لرجمه، فلما أصابته الحجارة أدبر يشتد، فلقيه رجل بيده لحي جمل فضربه فصرعه، فذُكر للنبي صلى الله عليه وسلم فراره. فقال:"فهلاَّ تركتموه".

فكان الناس فيه فرقتين، فقائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئة، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، إنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده، ثم قال: اقتلني بالحجارة. فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس، فسلّم ثم جلس فقال:"استغفروا لماعز بن مالك"فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لقد تاب توبة لو قُسِّمت بين أمة لَوَسِعتهم" [23] . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل موازنة، ولو فرضنا المستحيل وقلنا إن ماعزًا عاد للحياة، واقترف الذنب نفسه لكرر الرسول صلى الله عليه وسلم العقاب نفسه.

كان لدى بني مقرّن خادمة، فلطمها أحدهم، فجاءت تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باكية، فاستدعى الرسول صلى الله عليه وسلم مالكها قائلًا له:"أَعتِقوها"، فقالوا: ليس لهم خادم غيرها. قال:"فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها، فليخلّوا سبيلها". [24] أجل، فلو بقي إثم هذه اللطمة الظالمة ليوم الحساب لكانت اللطمات هناك أشد وأقسى؛ لذا كان العتق هو بديل هذه اللطمة لكي تكن ديتها يوم القيامة عن عذاب جهنم [25] .

الشفقة مع الأطفال

أما شفقته على أطفاله فكان أمرًا مختلفًا تمامًا، فكثيرًا ما ذهب إلى الأسرة التي ترضع ابنه إبراهيم، حيث يأخذه في حجره طويلًا، ويقبله ويعطف عليه [26] .

وعندما رأى الأقرع بن حابِس التميمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقبل الحسن والحسين رضي الله عنه ويأخذهما في حضنه، قال:"إن لي عشرة من الولد، ما قبَّلتُ منهم أحدًا"، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال:"من لا يَرْحم لا يُرحم" [27] .

وفي حديث آخر:"ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". [28] وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقبّلون الصبيان؟ فما نقبّلهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أوَ أملك لك إن نَزَع الله من قلبك الرحمة" [29] .

وكما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطف على أقربائه، فإنه كان يعطف كذلك على أصدقائه القريبين منه أو البعيدين عنه. وفي رواية لابن عمر رضي الله عنه قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم جميعًا، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال:"قد قضى؟". قالوا: لا يا رسول الله. فبكى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا. فقال:"ألا تسمعون، إن الله لا يعذِّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا"، وأشار إلى لسانه [30] .

أجل، إن الله لا يعذب بسبب دمع العين، على العكس من ذلك فهناك دموع يرفع الله بسببها العذاب، ففي حديث آخر يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرُس في سبيل الله". [31] إحدى العينين عين الرهبان، والأخرى عين الفرسان.

ففي الليل كانوا رهبانًا يذرفون الدموع في عبادتهم وسجودهم. وفي النهار كانوا فرسانًا يصولون ويجولون ويهاجمون الأعداء كالأسود. دموع هؤلاء كانت دموع المؤمنين الحقيقيين، والصحابة كانوا من هذا النوع من المؤمنين: رهبان في الليل فرسان في النهار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت