فهرس الكتاب

الصفحة 426 من 3657

عندما أُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوفاة عثمان بن مظعون رضي الله عنه أسرع إلى بيته، فقد كان عثمان رضي الله عنه من الصحابة القريبين إلى قلبه. فبكى النبي صلى الله عليه وسلم عليه بكاء كثيرًا. ولكن عندما قالت زوجة عثمان رضي الله عنه: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال النبي صلى الله عليه سلم:"وما يدريك أن الله أكرمه؟ والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي" [32] .

أجل، لقد كان رجل توازن. فشفقته وبكاؤه لم يكن يمنعه من تصحيح خطأ. فالدموع التي سكبها على أحد أصحابه الأحبة؛ ما كانت لتحول بينه وبين تصحيح كلام مبالغ فيه أو خاطئ. فالوفاء شيء والحق شيء آخر. كان يزور شهداء أحد كل أسبوع [33] ، ولكنه لم يكن يقول: لقد طِرتم إلى الجنة. ولا يقولن أحد منا: إن لم يذهب هؤلاء إلى الجنة؟! نعم هذا هو الأمر.

ثم ألا تكفي الرتبة والمقام الذي أعطاه لكافل اليتيم دليلًا على شفقته الواسعة؟ انظروا ماذا يقول صلى الله عليه وسلم:"أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، ثم أشار بالسبابة والوسطى، وفرّج بينهما شيئًا. [34] فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يقول بأنه لن يدخل أحد بيني وبين كافل اليتيم في الجنة.

رحمة بالحيوانات.. أيضًا

كانت شفقته تشمل الحيوانات أيضًا، فقد مرّ سابقًا كيف أن امرأة دخلت النار بسبب هرة، وكيف أن بغياًّ دخلت الجنة بسبب سقيها الماء لكلب ظامئ. وهنا أنقل لكم حادثة أخرى بهذا الخصوص كخاتمة للموضوع:

عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته. فرأينا حُمَّرَة معها فرخان، فأخذْنا فرخيْها، فجاءت الحُمَّرَة فجعلت تَفْرُش، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"من فَجَع هذه بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها" [35] .

أجل، لقد كانت شفقته تحتضن الحيوانات أيضًا. ثم ألا نتذكر أن الله تعالى عاتب أحد أنبيائه السابقين بسبب بيت نمل؟ إذ قام هذا النبي عن قصد أم عن دون قصد بحرق بيت نمل، فما لبث أن جاءه تأنيب من الله تعالى [36] .

ونبينا الذي نقل لنا هذه الحادثة وأمثالها من الحوادث الأخرى أيمكن أن يتصرف إلا هكذا..؟ وظهر فيما بعد في أمته أشخاص عندما يُمدحون يقال عنهم: إنه لا يؤذي حتى نملة. هؤلاء الأشخاص كانوا يعلقون أجراسًا صغيرة على أقدامهم لكي تبتعد الحشرات عن طريقهم عند سماعها لصوت الأجراس، ولا تنسحق تحت الأقدام... يا إلهي..! ما هذه الشفقة العميقة والشاملة!! وما هذا الأنموذج الرائع للرحمة..!.

أجل، حتى النمل لم تخرج عن دائرة رحمته صلى الله عليه وسلم ولم تستثنَ منها. وهل يكون في مقدور إنسان يتحرج عن سحق نملة القيام بظلم الناس الآخرين؟ كلا، لا يستطيع هذا عن علم وعن قصد أبدًا.

عندما كان صلى الله عليه وسلم في"مِنًى"خرجت حية من بين بعض الصخور، فأسرع بعض الصحابة لقتلها، غير أنها استطاعت أن تنسلّ بين شقوق الصخور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يراقب المنظر عن بُعد:"وقاها الله شرّكم، ووقاكم شرّها" [37] .

فالرسول كان يرى فيما هم به الصحابة شراًّ، والمقتول وإن كان حية إلا أن لها مكانًا أيضًا في نظام هذه الدنيا. فأي قتل غير ضروري سيضر بالتوازن البيئي، ويؤدي إلى أضرار لا يمكن تلافيها. والحقيقة أن إعلان الحرب على الحشرات باسم الزراعة والمحافظة عليها، يُعَدّ جريمة بالنسبة للتوازن البيئي، والغريب أن هذه الجرائم ترتكب اليوم باسم العلم.

يروي ابن عباس رضي الله عنه: أن رجلًا أضجع شاة يريد أن يذبحها، وهو يحد شفرته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"هلاَّ حددتَ شفرتك قبل أن تضجعها". [38] كان هذا بمثابة عتاب لذلك الشخص.

يروي عبد الله بن جعفر رضي الله عنه: جاء بعير يشتد حتى سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام بين يديه، فذرفت عيناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من صاحب هذا البعير؟"قالوا: فلان. فقال:"ادعوه، فأتوا به"، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم"يشكوك"فقال: يا رسول الله، هذا البعير كنا نسنو عليه منذ عشرين سنة، ثم أردنا نحره.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"شكا ذلك، بئسما جازيتموه، استعملتموه عشرين سنة حتى إذا أرق عظمه، ورق جلده أردتم نحره بعينه"قال: بل هو لك يا رسول الله. فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجه نحو الظهر، أي الإبل [39] .

لقد كانت رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشفقته تتجاوز بكثير الرحمة المدعاة من قبل ما يطلق عليهم اليوم اسم"أنصار الإنسانية"، ولكنه استطاع أن يصون رحمته الواسعة من الإفراط ومن التفريط أيضًا، بفضل فطنته الكبيرة.

أجل، لم يتهاون أبدًا مع أي شر أو إثم تحت اسم المرونة أو الرحمة أو المسامحة، ولم يدعْ له فرصة لوضع بنيانه ومد جذوره؛ لأنه كان يعرف جيدًا أن أي مسامحة لمجرم أثيم ذي روح متوحش تعني الاعتداء على حقوق آلاف من الأبرياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت