وكان لا يأكل متكئًا، ولا يأكل على خوان، ولا يمتنع من مباح، إن وجد تمرًا أكله، وإن وجد خبزًا أكله، وإن وجد شواء أكله، وإن وجد خبز بر أو شعيرًا أكله، وإن وجد لبنًا اكتفى به. أكل البطيخ بالرطب، وكان يحب الحلواء والعسل.
قال أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ: (خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الدنيا، ولم يشبع من خبز الشعير) .
(وكان يأتي على آل محمد الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار، وكان قوتهم التمر والماء) .
ياكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، ويكافئ على الهدية.
لا يتأنق في مأكل ولا ملبس، يأكل ما وجد، ويلبس ما وجد.
وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله، ويعود المرضى.
وكان أشد الناس تواضعًا، يجيب من دعاه من غني، أو فقير، أو دنيء، أو شريف.
وكان يحب المساكين، ويشهد جنائزهم، ويعود مرضاهم، لا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب ملكًا لملكه.
وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه عبده، أو غيره، لا يدع أحدًا يمشي خلفه، ويقول: (خلوا ظهري للملائكة) .
ويلبس الصوف وينتعل المخصوف، وكان أحب اللباس إليه الحبرة، وهي من برود اليمن، فيها حمرة وبياض.
وخاتمه فضة، فصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن، وربما لبسه في الأيسر.
وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض كلها، فأبى أن يأخذها واختار الآخرة عليها.
وكان يكثر الذكر ويقل اللغو، ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة.
أكثر الناس تبسمًا، وأحسنهم بشرا، مع أنه كان متواصل الأحزان دائم الفكر.
وكان يحب الطيب، ويكره الريح الكريهة.
يستألف أهل الشرف، ويكرم أهل الفضل، ولا يطوي بشره عن أحد، ولا يجفو عليه.
يرى اللعب المباح فلا ينكره، يمزح ولا يقول إلا حقًا، ويقبل معذرة المعتذر إليه.
له عبيد وإماء، لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس.
لا يمضي له وقت في غير عمل لله، أو فيما لابد له ولأهله منه.
رعى الغنم، وقال: (ما من نبي إلا وقد رعاه) .
وسئلت عائشة ـ رضي الله عنه ـا عن خُلق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت: (كان خُلقه القرآن) . يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه.
وصح عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: (ما مسست ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا شممت رائحة قط كانت أطيب من رائحة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولقد خدمت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عشر سنين، فما قال لي أف قط، ولا لشيء فعلته: لم فعلت كذا؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا وكذا؟) .
قد جمع الله - تعالى - له كمال الأخلاق، ومحاسن الأفعال، وآتاه الله - تعالى علم الأولين والآخرين (3) ، وما فيه النجاة والفوز، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، نشأ في بلاد الجهل والصحاري، آتاه الله ما لم يؤت أحدًا من العالمين، واختاره على جميع الأولين والآخرين، فصلوات الله عليه دائمة إلى يوم الدين.
فصل في معجزاته
فمن أعظم معجزاته، وأوضح دلالاته،"القرآن العزيز"الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، الذي أعجز الفصحاء، وحير البلغاء، وأعياهم أن يأتوا بعشر سورة مثله، أو بسورة، أو آية، وشهد بإعجازه المشركون، وأيقن بصدقه الجاحدون، والملحدون.
وسأل المشركون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر، فانشق حتى صار فرقتين؛ وهو المراد بقوله تعالى: ? اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ ? [القمر: 1] .
وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إن الله تعالى زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها) . وصدق الله قوله بأن ملك أمته بلغ أقصى المشرق والمغرب، ولم ينتشر في الجنوب ولا في الشمال.
وكان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر، وقام عليه، حن الجذع حنين العشار، حتى جاء إليه والتزمه، وكان يئن كما يئن الصبي الذي يسكت، ثم سكن.
ونبع الماء من بين أصابعه غير مرة.
وسبح الحصى في كفه، ثم وضعه في كف أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فسبح.
وكانوا يسمعون تسبيح الطعام عنده وهو يؤكل.
وسلم عليه الحجر والشجر ليالي بعث.
وكلمته الذراع المسمومة، ومات الذي أكل معه من الشاة المسمومة، وعاش هو ـ صلى الله عليه وسلم ـ، بعده أربع سنين.
وشهد الذئب بنبوته.
ومر في سفره ببعير يستقي عليه، فلما رآه جرجر، ووضع جرانه فقال:"إنه شكا كثرة العمل وقلة العلف".
ودخل حائطًا فيه بعير، فلما رآه حنه وذرفت عيناه، فقال لصاحبه:"إنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه".
ودخل حائطًا آخر في فحلان من الإبل، وقد عجز صاحبهما عن أخذهما، فلما رآه أحدهما جاءه حتى برك بين يديه، فخطمه، ودفعه إلى صاحبه، فلما رآه الآخر فعل مثل ذلك.