فهرس الكتاب

الصفحة 493 من 3657

ثم ألقى عتبة حباله وعصيه.. إغراءات تغشى البصائر.. وتزيغ الأبصار.. بلغة مسمومة.. ما لامست مستشرفا لها.. إلا أهدته السم ونزعت منه الروح.. وأبقت الجسم.. وكم لعبت بهذا النغمات من نشاز أصابع من على أوتار.. فلم يبالي الصادقون بما وقع منها وطار.. قال: يا محمد إن كان إن ما بك المال جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا.. وإن كنت تريد شرفا سودناك فلا نقطع أمرا دونك.. وإن كنت تريد ملكا ملكناك.. وإن كان شيئا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب حتى نبرئك.. وإن كان إن ما بك النسا فاختر من أجمل نساء قريش عشرًا.. يا محمد قل نسمع..

فلوا كان الحديد للينوه ** ولكن كان أشد من الحديد

في حلم ورحابة صدر.. أعرض عن كرهات عتبة وأغضى عن سبابه.. وقال في أدب النبوة يكنيه: أفرغت يا أبا الوليد..؟ قال: نعم..! فأعلن موقفه الحاسم بشجاعة نادرة.. دون مراوغة أو مداهنة أو استعطاف أو استلطاف.. لأن قضيته قضية عقيدة تقوم على الصراحة والبيان فلا تنازل ولا إدهان..

كالكوكب الدري تلقاه ** العز بين يديه والجاه

والأرض في عينيه خردله ** وعلى عبيد الأرض نعلاه

قذف باطلهم بأوائل فصلت .. فالشمس منها سطعت وحسمت.. ورفعت الحجاب.. وأثارت الإعجاب.. ومحت السلب بالإيجاب.. (حم {1} تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {2} كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ {3} بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ {4} ) ..

عتبة يسمع القرآن من فم من أنزل عليه القرآن.. فيلقي يديه خلف ظهره وقد فغر فوه مأخوذا بسلطان البيان.. ورسول الله قد استحضر عظمة الله الذي خاطبه به.. يتلوه بكل أحاسيسه ومشاعره.. ويهوي به على إغراءاتهم ومطامعهم..

فكان الآي صاعقة عليهم ** تشب على مطامعهم سعيرا

كذالك السيف أمضى وهو هاو ** واقطع مضربا منه شهيرا

لما بلغ قول الله (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) .. هب عتبة مذعورا قد خيل إليه أن الصاعقة حلت به.. فأمسك بفم النبي صلى الله عليه وسلم يناشده الله والرحم إلا صمت.. فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم.. (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ {118} فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ {119} ) .. انقلب إلى قومه فلما راؤه قالوا: نحلف بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به..!!

قد نطقت بضعفه العيون ** ما أبلغ العيون إذ تبين

بادروه.. ما وراءك يا أبا الوليد..؟؟ فقال وقد آمن بسلطان اللغة والبيان وإن لم يؤمن بالقران: ما هو والله إلا أن جئته فعرضت عليه ما عرضت.. ثم سمعت منه قولا والله ما سمعت مثله قط..! والله ما هو بالسحر ولا بالكهانة ولا الشعر ما فقهت إلا قوله.. (أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) فأمسكت بفيه وناشدته أن يكف.. ولقد علمتم أن محمد إذا قال شيئا لم يكذب.. يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وما هو فيه.. والله ليكونن قوله بالذي سمعته نبأ عظيم.. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد..!! فعاد كالكلب بالوصيد.. وكان قريبا على صحة.. فقد داخلته حروف العلل ولا عجب..!!

من يكن للجرب خلا.. ليس يخلوا من إصابة.. وهل يبصر الرمداء شمس الضحى .؟؟ وهل يحس بطعم العذب من إيف في الفم..؟؟ (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ..

معشر الإخوة:

إنها إشارة منه صلى الله عليه وسلم في شجاعة فذة.. مفادها لا لقاء بين الحق والباطل.. لا إجتماع بين النور والظلام.. الاختلاف جوهري يستحيل معه اللقاء على شيء في منتصف الطريق.. الأمر لا يحتاج إلى مراوغة ولا مساومة.. ليس إلا الخروج عن الكفر بجملته إلى الإسلام بجملته.. وإلا فالبراءة التامة.. (لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ) .. إن قوة الهجمة اليوم على الدين.. ينبغي أن تقابل برد في غاية الوضوح.. بعيدا عن التعميم والتمييع.. فالأمر جد لا هزل فيه.. (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) .. لا بد من الوضوح التام.. في القضايا المصيرية التي لا تحتمل إلا وجها واحدا.. (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ {1} لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ {2} ) ..

من يملك النبع لن يحتاج من ظمأ ** إلى الدلاء ولن يحتاج للقرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت