سعى كفار قريش إلى عمه أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إن لك فينا سنا ومنزلة وشرفا.. وإنا قد إستنهيناك في ابن أخيك فلم تنه عنا.. وإنا والله لا نصبر على ذلك.. فإما أن تكفه عنا أو ننازلك وإياه حتى يهلك أحد الفريقين ثم انصرفوا.. فعظم عليه فراق قومه ولم يطب نفسا بإسلام ابن أخيه لهم وخذلانه.. فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا ابن أخي أبقي علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر مالا أطيق.. فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خاذله.. فحلق وحدق ببصره إلى السماء.. ووقفت الدنيا مشدودة السمع لما تفتر عنه شفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وأصاخ الكون وأنصت التاريخ لكلمة التي يتوقف عليها مصير السعادة البشرية والحضارة الإنسانية.. فقال: أترون هذه الشمس .؟! قالوا: نعم .! ففي تصميم يفل الحديد.. وعزيمة لا تعرف الهزيمة.. وتحد يقهر الخصوم اللد.. وإصرار يقتحم البحر بجزره والمد.. قال كلمة صريحة لا يقبل معناها التأويل.. ببلاغة لو قست سحبانا بها ألفيته ذا منطق تمتامي.. قال: والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بعثت به من إن يشعل أحدكم من هذه شمسي شعلة نار.. والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري.. على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه.. ثم استعبر وبكى وولى.. كأنما أنفاسه حرجف.. وبين جنبيه لظى واقده.. لو مادت الأجبال من تحته.. أو خرت الأفلاك ما زعزع..!
يا لقوة الإيمان وجلال البطولة.. رجل يظن أنه تخلى عنه ناصره الوحيد من أهله.. ثم يقف هذا الموقف العظيم.. إنه ثبات النبوة..
إن يكن أعزل فالحق له سيف ولامه ** فهو في جيش من الإيمان ما فل لهامه
وقف أبو طالب مأخوذا بما سمع ورأى.. وهو في قرارة نفسه يقول: والله ما هذا إلا نبي كريم .. بلغ أسمى درجات الثقة بالله رب العالمين.. فلن ينكس على عقبيه لأنه يأوي إلى ركن شديد.. فما عليه وبين جنبيه دين.. لو أراد به صم الجبال لما قرت رواسيها.. ثم يناديه أقبل يا ابن أخي فأقبل صلى الله عليه وسلم فقال له: إذهب فقل ما أحببت والله لا أسلمك لشيء أبدا.. والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينًا.. حاله:
قم وأبلغ نوره للعلمين ** قم واسمعه البرايا أجمعين
إن تكون في مثل نيران الخليل ** أسمع النمرود توحيد الجليل
فلم يزل يجهر بالتوحيد ولا يخاف سطوة العبيد..! وحسبه أنه نبي صلى الله عليه وسلم
كان أشجع الناس صلى الله عليه وسلم.. عرضت عليه المغريات من مال وملك وشرف وجاه ونساء.. نظير أن يتنازل عن دعوته فأبى ذلك العرض وازدراه ورفضه..
متميزا كالليث ديس عرينه ** متوثبا يدعوا الرجال نزالي
لا تذكروا نار الصواعق عنده ** نار الصواعق عنده كذبالي
قال قائل قريش: يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيله.. قد كان محمد غلاما حدثا فيكم.. أصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة.. حتى إذا رأيتم الشيب في صدغيه قلتم ساحر كاهن شاعر مجنون.. والله ما هو بذلك فانظروا في شأنكم.. وما معهم إلا العناد وما بهم من العقل من الإنصاف مثقال درهم.. أجمعوا رأيهم على أن يفاوض ويغرى بالدنيا والنساء.. وهو القائل صلى الله عليه وسلم:"فاتقوا الدنيا واتقوا النساء".. انتدبوا لتلك المهمة أبا الوليد بن عتبة.. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد أنت خير أم هاشم؟! أنت خير أم عبد المطلب؟! أنت خير أم عبد الله؟! فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم.. لأنه يريد هدايته.. فمن الحكمة أن لا يدخل معه في معارك جانبيه تعيقه عن ذلك الهدف.. لقد كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم أن يقول أنا أفضل وصدق.. فهو سيد ولد آدم أجمعين.. لكنه بذلك قد يضيع الفرصة الذهبية من هداية هذا الرجل.. وكان بإمكانه أن يثني على آباءه بما فيهم من صفات حميدة.. لكنه بذلك يتيح الفرصة أن يلزمه بما يترتب على ذلك من إتباع دينهم.. وقد فعل ولذا آثر بحكمته عدم الإجابة.. فالسؤال لا يستحق ذلك.. لأنه ليس في صميم الموضوع الذي عقد من أجله الحوار.. فهم عتبة ذلك فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك.. فقد عبدوا الآلهة التي عبت.. وإن كنت تزعم أنك خير منهم.. فقل حتى نسمع قولك.. والله ما رئينا سخلة أشئم على قومه منك.. فرقت جماعتنا.. وعبت ديننا.. وفضحتنا.. والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى.. فيقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف.. فنقتتل حتى نتفانى.. وياله من عور عن الحقيقة..
لابد في العور من تيه ومن صلفا ** لأنهم يحسبون الناس أنصافا
من أين يدري الفضل معدومه ** لا يعرف المعروف إلا ذووه
تظن بعض القوم علامة ** وهو إذا ينطق بوم يفوه