فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 3657

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل برد من جاء من المسلمين مهاجرا ولا العكس.. ويعلل ويقول: من ذهب منا إليهم فأبعده الله.. ومن جاءنا فرد جعل الله له فرجا ومخرجا.. وثقل ذلك على المسلمين وذهلوا عن أنفسهم.. لما أعيد أبو جندل رضي الله عنه إلى أبيه يرفس في قيوده.. يضربه أبوه في وجهه ويأخذ بتلابيبه وهو يستصرخ.. أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما..؟؟

فاضطرمت القلوب واضطربت.. وزلزل الهم قاصيهم ودانيهم.. حتى السماء رأوها غير ما عهدوا.. أما الصديق رضي الله عنه فقد تلقى ذلك بالرضا والتسليم.. فكان قلبه على قلب محمد صلى الله عليه وسلم حاله:

والكف ليس الزند ينكر قربه ** والعين لا يقسوا عليها المحجر

من لحمه لحمي ومن دمه دمعي ** وعلى محبته أموت وأحشر

أما عمر رضي الله عنه لعظم الوارد عليه.. أبى إلا أن يعلن عما في نفسه فيقول: يا رسول الله ألست نبي الله حقا..؟؟ ألسنا المسلمين..؟؟ أليسوا بالمشركين..؟؟ ألسنا على الحق وهم على الباطل..؟؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي عمر حرية إبداء رأيه .. مع تسديده بلا عقاب ولا تجريم.. ويقول لعمر في كل ذلك: بلى.. بلى.. فيقول عمر: فلم نعطي الدنية في ديننا يا رسول الله.. فيقول صلى الله عليه وسلم إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري.. ويذعن الفاروق ويؤنب نفسه بعد.. وماهي والله إلا غيرة على الإسلام منه.. فهم بعدها هو وغيره إنما يحقق المكاسب العليا للإسلام.. فهو السنة النبوية والسياسة الشرعية التي يجب أن تقتفى.. فأذعنوا وندموا وعرفوا قصورهم فاقتصروا..

أخاطب البرق إن يسقي ديارهم ** ولو أراد بدمعي أو أراد دمي

معشر الأخوة:

ومع ما فيه الصحابة من غم لا مزيد عليه.. لم يخرجوا عن طوع رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وهم يرون سهيل فردا في جيش يتمادى في تفاوضه.. فلم ينله أحد بأذى وإنما مرجعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ورسول الله يسعه بالحلم حتى وصل إلى الغاية المنشودة من الصلح.. وانبلج الصبح فإذا الصلح فتح.. والغبن في الظاهر نصر.. سمعوا كلام الله وعظمت حرمات الله..

وكلما أوقدوا نارا بها احترقوا ** وأحدثوا الحرب فيهم يحدث الحرب

هكذا تبدوا شجاعة وسياسة رسول الله صلى الله عليه وسلم العملاقة.. إلى جانب سطحية التفكير لدى زعماء المشركين.. فشرطهم الذي اشترطوه تعنتا واستعلاء.. كان وبالا عليهم حيث سبب لهم حروبا عصابات على أيدي أبي بصير وصحبه لم يحسبوا لها حسابا..

حتى أقامت رؤوسا كان يحبلها ** أجلاف قوم وفي أعناقهم صعر

فقدوا الهدف الأعلى من الصلح.. وهو تأمين طريقهم إلى الشام.. فعادوا خاضعين ذليلين يعلنون تنازلهم عن شرطهم الجائر.. ويرجون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤوي كل من جاءه من المسلمين..

فصار لواء الحق بالنصر خافقا ** وظل لواء الشرك بالذل يقهر

فما هو في صورته الظاهرة ظيم للمسلمين.. هو عز وفتح ونصر مبين.. نزلت السكينة على المؤمنين ودخل في دين الله أضعاف ما دخل قبل من المشركين.. وما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه.. وتم تحييد قريش وتكبيلها بهذه المعاهدة.. فلم يفكروا في الحرب لعشر سنين..!! فحول المسلمون المعركة إلى اليهود وغيرهم من المجرمين..

عافوا المذلة في الدنيا فعندهم ** عز الحياة وعز الموت سياني

تلكم هي الشجاعة حقا يا معشر الإخوة:

تريث في غير عجلة.. تثبت في تؤدة.. بعد نظر في أصالة رأي.. لزم الوحي مع اتهام الرأي.. قضاء المصالح على أحسن وجه.. درء المفاسد في أجمل هيئة..

من يلاقي النار بالنار يزهدها ** لهبا إطفائه يغدوا محالا

الحد والشدة ليست لوازم قوة.. والتعقل والمدارات ليست مؤشرات ضعف.. والحزم والقوة والشجاعة حقا فعل ما ينبغي كما ينبغي في الوقت الذي ينبغي..!!

وريث المثابر أمضى خطا ** وأبلغ من قفزات الصخب

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليس الشديد بالسرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"

والسيف لا يمضي بدون روية ** والرأي لا يمضي بغير مهند

وقد يدفع الإنسان عن نفسه الأذى ** بمقوله إن لم يدافعه باليد

كان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس.. خاض غمار الحروب في سبيل الله.. لإعلاء كلمة الله حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله..

أزال ظلام الغي عن نير الهدى ** وحكم سيف الحق في كل باطل

مضى فعله المشتق من مصدر العلا ** فصح له منه اشتقاق اسم فاعل

في يوم حنين اختل نظام جيشه وانفض عنه معظمه.. وهو ثابت في الميدان لا يبرح.. مقبل لا يدبر.. ظاهر لا يتوارى.. وكيف يتوارى عن الموت.. من يوقن أن موته انتقال من حياة نصب ومشقة.. إلى ما اشتهت نفسه ولذت عينه.. يركض بغلته البيضاء في نحر العدو.. ويترجل عنها حينا.. فلا يرى أحد أشد منه يومئذ.. كالسيل في دفعاته.. والسيف في عزماته.. والموت في وثباته.. يشهر نفسه وهو هدف العدو الأعلى.. ويزأر.. هلموا إلي أيها الناس.. أنا رسول الله.. أنا محمد ابن عبد الله.. أنا النبي لا كذب.. أنا ابن عبد المطلب..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت