فهرس الكتاب

الصفحة 546 من 3657

فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجِزْيَةِ أَخَذَهَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ ثَلَاثِ طَوَائِفَ مِنْ الْمَجُوسِ ، وَالْيَهُودِ ، وَالنّصَارَى ، وَلَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ عُبّادِ الْأَصْنَامِ . فَقِيلَ لَا يَجُوزُ أَخْذُهَا مِنْ كَافِرٍ غَيْرِ هَؤُلَاءِ وَمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ اقْتِدَاءً بِأَخْذِهِ وَتَرْكِهِ . وَقِيلَ بَلْ تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفّارِ كَعَبَدَةِ الْأَصْنَامِ مِنْ الْعَجَمِ دُونَ الْعَرَبِ ، وَالْأَوّلُ قَوْلُ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ وَأَحْمَدَ ، فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ . وَالثّانِي: قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللّهُ فِي الرّوَايَةِ الْأُخْرَى . وَأَصْحَابُ الْقَوْلِ الثّانِي: يَقُولُونَ إنّمَا لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ ؛ لِأَنّهَا إنّمَا نَزَلَ فَرْضُهَا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَتْ دَارَةُ الْعَرَبِ ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مُشْرِكٌ فَإِنّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكّةَ ، وَدُخُولِ الْعَرَبِ فِي دِينِ اللّهِ أَفْوَاجًا ، فَلَمْ يَبْقَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُشْرِكٌ وَلِهَذَا غَزَا بَعْدَ الْفَتْحِ تَبُوكَ ، وَكَانُوا نَصَارَى ، وَلَوْ كَانَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُشْرِكُونَ لَكَانُوا يَلُونَهُ وَكَانُوا أَوْلَى بِالْغَزْوِ مِنْ الْأَبْعَدِينَ . وَمَنْ تَأَمّلَ السّيَرَ وَأَيّامَ الْإِسْلَامِ عَلِمَ أَنّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فَلَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ لِعَدَمِ مَنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ لَا لِأَنّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا ، قَالُوا: وَقَدْ أَخَذَهَا مِنْ الْمَجُوسِ ، وَلَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ وَلَا يَصِحّ أَنّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَرُفِع وَهُوَ حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ وَلَا يَصِحّ سَنَدُهُ . وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عُبّادِ النّارِ وَعُبّادِ الْأَصْنَامِ بَلْ أَهْلُ الْأَوْثَانِ أَقْرَبُ حَالًا مِنْ عُبّادِ النّارِ وَكَانَ فِيهِمْ مِنْ التّمَسّكِ بِدِينِ إبْرَاهِيمَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي عُبّادِ النّارِ بَلْ عُبّادُ النّارِ أَعْدَاءُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ، فَإِذَا أُخِذَتْ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ فَأَخْذُهَا مِنْ عُبّادِ الْأَصْنَامِ أَوْلَى ، وَعَلَى ذَلِكَ تَدُلّ سُنّةُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي"صَحِيحِ مُسْلِمٍ"أَنّهُ قَالَ إذَا لَقِيتَ عَدُوّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى إحْدَى خِلَالٍ ثَلَاثٍ فَأَيّتُهُنّ أَجَابُوكَ إلَيْهَا ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفّ عَنْهُمْ". ثُمّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ الْجِزْيَةِ أَوْ يُقَاتِلَهُمْ [ ص 140 ] وَقَالَ الْمُغِيرَةُ لِعَامِلِ كِسْرَى: أَمَرَنَا نَبِيّنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتّى تَعْبُدُوا اللّهَ ، أَوْ تُؤَدّوا الْجِزْيَةَ وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِقُرَيْشٍ: هَلْ لَكُمْ فِي كَلِمَةٍ تَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَرَبُ ، وَتُؤَدّي الْعَجَمُ إلَيْكُمْ بِهَا الْجِزْيَةَ . قَالُوا: مَا هِيَ ؟ قَالَ"لَا إلَهَ إلّا اللّهُ

فَصْلٌ

وَلَمّا كَانَ فِي مَرْجِعِهِ مِنْ تَبُوكَ ، أَخَذَتْ خَيْلُهُ أُكَيْدِرَ دُومَةَ ، فَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ وَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ". [ ص 141 ] "

[ صُلْحُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَ أَهْلِ نَجْرَان َ ]

وَصَالَحَ أَهْلَ نَجْرَانَ مِنْ النّصَارَى عَلَى أَلْفَيْ حُلّةٍ . النّصْف فِي صَفَرٍ وَالْبَقِيّةُ فِي رَجَبٍ يُؤَدّونَهَا إلَى الْمُسْلِمِينَ وَعَارِيّةٍ ثَلَاثِينَ دِرْعًا ، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا ، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا ، وَثَلَاثِينَ مِنْ كُلّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السّلَاحِ يَغْزُونَ بِهَا ، وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتّى يَرُدّوهَا عَلَيْهِمْ إنْ كَانَ بِالْيَمَنِ كَيْدٌ أَوْ غَدْرَةٌ عَلَى أَلّا تُهْدَمَ لَهُمْ بِيعَةٌ وَلَا يُخْرَجَ لَهُمْ قَسّ وَلَا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا أَوْ يَأْكُلُوا الرّبَا وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى انْتِقَاضِ عَهْدِ الذّمّةِ بِإِحْدَاثِ الْحَدَثِ وَأَكْلِ الرّبَا إذَا كَانَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمْ . وَلَمّا وَجّهَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ ، أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلّ مُحْتَلِمٍ دِينَارًا أَوْ قِيمَتَهُ مِنْ الْمَعَافِرِيّ وَهِيَ ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ

[ الْجِزْيَةُ تُقَدّرُ بِحَسَبِ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت