وَمِنْهَا أَنّهُ دَفَعَ إلَيْهِمْ الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِمْ الْبَذْرَ وَلَا كَانَ يَحْمِلُ إلَيْهِمْ الْبَذْرَ مِنْ الْمَدِينَةِ قَطْعًا فَدَلّ عَلَى أَنّ هَدْيَهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْبَذْرِ مِنْ رَبّ الْأَرْضِ وَأَنّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَامِلِ وَهَذَا كَانَ هَدْيَ خُلَفَائِهِ الرّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ وَكَمَا أَنّهُ هُوَ الْمَنْقُولُ فَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْقِيَاسِ فَإِنّ الْأَرْضَ بِمَنْزِلَةِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْقِرَاضِ وَالْبَذْرُ يَجْرِي مَجْرَى سَقْيِ الْمَاءِ وَلِهَذَا يَمُوتُ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُرْجَعُ إلَى صَاحِبِهِ وَلَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ رَأْسِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ لَاشْتُرِطَ عَوْدُهُ إلَى صَاحِبِهِ وَهَذَا يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ فَعُلِمَ أَنّ الْقِيَاسَ الصّحِيحَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِهَدْيِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَخُلَفَائِهِ الرّاشِدِينَ فِي ذَلِكَ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: خَرْصُ الثّمَارِ عَلَى رُءُوسِ النّخْلِ وَقِسْمَتُهَا كَذَلِكَ وَأَنّ الْقِسْمَةَ لَيْسَتْ بَيْعًا . وَمِنْهَا: الِاكْتِفَاءُ بِخَارِصٍ وَاحِدٍ وَقَاسِمٍ وَاحِدٍ . وَمِنْهَا: جَوَازُ عَقْدِ الْمُهَادَنَةِ عَقْدًا جَائِزًا لِلْإِمَامِ فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ . وَمِنْهَا: جَوَازُ تَعْلِيقِ عَقْدِ الصّلْحِ وَالْأَمَانِ بِالشّرْطِ كَمَا عَقَدَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُغَيّبُوا وَلَا يَكْتُمُوا . [ ص 307 ]
[جَوَازُ نَسْخِ الْأَمْرِ قَبْلَ فِعْلِهِ ]
وَمِنْهَا: الْأَخْذُ في الْأَحْكَامِ بِالْقَرَائِنِ وَالْأَمَارَاتِ كَمَا قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِكِنَانَةَ الْمَالُ كَثِيرٌ وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ فَاسْتَدَلّ بِهَذَا عَلَى كَذِبِهِ فِي قَوْلِهِ أَذْهَبَتْهُ الْحُرُوبُ وَالنّفَقَةُ . وَمِنْهَا: أَنّ مَنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى كَذِبِهِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ وَنُزّلَ مَنْزِلَةَ الْخَائِنِ .
[إذَا خَالَفَ أَهْلُ الذّمّةِ شَيْئًا مِمّا شُرِطَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ ذِمّةٌ ]
وَمِنْهَا: أَنّ أَهْلَ الذّمّةِ إذَا خَالَفُوا شَيْئًا مِمّا شُرِطَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ ذِمّةٌ وَحَلّتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ لِأَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَقَدَ لِهَؤُلَاءِ الْهُدْنَةَ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُغَيّبُوا وَلَا يَكْتُمُوا فَإِنْ فَعَلُوا حَلّتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ فَلَمّا لَمْ يَفُوا بِالشّرْطِ اسْتَبَاحَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَبِهَذَا اقْتَدَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ فِي الشّرُوطِ الّتِي اشْتَرَطَهَا عَلَى أَهْلِ الذّمّةِ فَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنّهُمْ مَتَى خَالَفُوا شَيْئًا مِنْهَا فَقَدْ حَلّ لَهُ مِنْهُمْ مَا يَحِلّ مِنْ أَهْلِ الشّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ .
[جَوَازُ الْأَخْذِ فِي الْأَحْكَامِ بِالْقَرَائِنِ ]
وَمِنْهَا: جَوَازُ نَسْخِ الْأَمْرِ قَبْلَ فِعْلِهِ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَهُمْ بِكَسْرِ الْقُدُورِ ثُمّ نَسَخَهُ عَنْهُمْ بِالْأَمْرِ بِغَسْلِهَا . وَمِنْهَا: أَنّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَطْهُرُ بِالذّكَاةِ لَا جِلْدُهُ وَلَا لَحْمُهُ وَأَنّ ذَبِيحَتَهُ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ وَأَنّ الذّكَاةَ إنّمَا تَعْمَلُ فِي مَأْكُولِ اللّحْمِ .
[الْغُلُولُ قَبْلَ الْقَسْمِ لَا يَمْلِكُ وَإِنْ كَانَ دُونَ الْحَقّ ]
وَمِنْهَا: أَنّ مَنْ أَخَذَ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا قَبْلَ قِسْمَتِهَا لَمْ يَمْلِكْهُ وَإِنْ كَانَ دُونَ حَقّهِ وَأَنّهُ إنّمَا يَمْلِكُهُ بِالْقِسْمَةِ وَلِهَذَا قَالَ فِي صَاحِبِ الشّمْلَةِ الّتِي غَلّهَا: إنّهَا تَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا وَقَالَ لِصَاحِبِ الشّرَاكِ الّذِي غَلّهُ شِرَاكٌ مِنْ نَار [ ص 308 ] أَرْضِ الْعَنْوَةِ بَيْنَ قِسْمَتِهَا وَتَرْكِهَا وَقَسْمِ بَعْضِهَا وَتَرْكِ بَعْضِهَا
[اسْتِحْبَابُ التّفَاؤُلِ ]
وَمِنْهَا: جَوَازُ التّفَاؤُلِ بَلْ اسْتِحْبَابُهُ بِمَا يَرَاهُ أَوْ يَسْمَعُهُ مِمّا هُوَ مِنْ أَسْبَابِ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَإِعْلَامِهِ كَمَا تَفَاءَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِرُؤْيَةِ الْمَسَاحِي وَالْفُؤُوسِ وَالْمَكَاتِلِ مَعَ أَهْلِ خَيْبَرَ فَإِنّ ذَلِكَ فَأْلٌ فِي خَرَابِهَا .
[جَوَازُ إجْلَاءِ أَهْلِ الذّمّةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا اُسْتُغْنِيَ عَنْهُمْ ]