فهرس الكتاب
وَسَلّمَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْوَحْيِ الّذِي جَاءَهُ مِنْ رَبّهِ يَأْمُرُهُ فِيهِ أَنْ يُهِلّ بِحَجّةٍ فِي عُمْرَةٍ وَمَا عُذْرُهُمْ عَنْ خَبَرِ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنّهُ قَرَنَ لِأَنّهُ عَلِمَ أَنّهُ لَا يَحُجّ بَعْدَهَا ، وَخَبَرِ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ اعْتَمَرَ مَعَ حَجّتِهِ وَلَيْسَ مَعَ مَنْ قَالَ إنّهُ أَفْرَدَ الْحَجّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَلْبَتّةَ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْهُ إنّي أَفْرَدْت ، وَلَا أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبّي يَأْمُرُنِي بِالْإِفْرَادِ وَلَا قَالَ أَحَدٌ: مَا بَالُ النّاسِ حَلّوا ، وَلَمْ تَحِلّ مِنْ حَجّتِك ، كَمَا حَلّوا هُمْ بِعُمْرَةٍ وَلَا قَالَ أَحَدٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَبّيْكَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ أَلْبَتّةَ وَلَا بِحَجّ مُفْرَدٍ وَلَا قَالَ أَحَدٌ: إنّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ الرّابِعَةَ بَعْدَ حَجّتِهِ وَقَدْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ مِنْ الصّحَابَةِ أَنّهُمْ سَمِعُوهُ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنّهُ قَارِنٌ وَلَا سَبِيلَ إلَى دَفْعِ ذَلِكَ إلّا بِأَنْ يُقَالَ لَمْ يَسْمَعُوهُ . وَمَعْلُوم قَطْعًا أَنّ تَطَرّقَ الْوَهْمِ وَالْغَلَطِ إلَى مَنْ أَخْبَرَ عَمّا فَهِمَهُ هُوَ مِنْ فِعْلِهِ يَظُنّهُ كَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ تَطَرّقِ التّكْذِيبِ إلَى مَنْ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا وَإِنّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ فَإِنّ هَذَا لَا يَتَطَرّقُ إلَيْهِ إلّا التّكْذِيبُ بِخِلَافِ خَبَرِ مَنْ أَخْبَرَ عَمّا ظَنّهُ مِنْ فِعْلِهِ وَكَانَ وَاهِمًا ، فَإِنّهُ لَا يُنْسَبُ إلَى الْكَذِبِ وَلَقَدْ نَزّهَ اللّهُ عَلِيّا ، وَأَنَسًا ، وَالْبَرَاءَ وَحَفْصَةَ عَنْ أَنْ يَقُولُوا: سَمِعْنَاهُ يَقُولُ كَذَا وَلَمْ يَسْمَعُوهُ وَنَزّهَهُ رَبّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، أَنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ أَنْ افْعَلْ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَفْعَلْهُ هَذَا مِنْ أَمْحَلِ الْمُحَالِ وَأَبْطَلِ الْبَاطِلِ فَكَيْفَ وَاَلّذِينَ ذَكَرُوا الْإِفْرَادَ عَنْهُ لَمْ يُخَالِفُوا هَؤُلَاءِ فِي مَقْصُودِهِمْ وَلَا نَاقَضُوهُمْ وَإِنّمَا أَرَادُوا إفْرَادَ الْأَعْمَالِ وَاقْتِصَارَهُ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرَدِ فَإِنّهُ لَيْسَ فِي عَمَلِهِ زِيَادَةٌ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرَدِ . وَمَنْ رَوَى عَنْهُمْ مَا يُوهِمُ خِلَافَ هَذَا ، فَإِنّهُ عَبّرَ بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ كَمَا سَمِعَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: أَفْرَدَ الْحَجّ ، فَقَالَ لَبّى بِالْحَجّ وَحْدَه فَحَمَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى . وَقَالَ سَالِمٌ ابْنُهُ عَنْهُ وَنَافِعٌ مَوْلَاهُ . إنّهُ تَمَتّعَ فَبَدَأَ فَأَهَلّ بِالْعُمْرَةِ ثُمّ أَهَلّ [ ص 124 ] ، فَهَذَا سَالِمٌ يُخْبِرُ بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ بَكْرٌ وَلَا يَصِحّ تَأْوِيلُ هَذَا عَنْهُ بِأَنّهُ أُمِرَ بِهِ فَإِنّهُ فَسّرَهُ بِقَوْلِهِ وَبَدَأَ فَأَهَلّ بِالْعُمْرَةِ ثُمّ أَهَلّ بِالْحَجّ ، وَكَذَا الّذِينَ رَوَوْا الْإِفْرَادَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا ، فَهُمَا: عُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ وَرَوَى الْقِرَانَ عَنْهَا عُرْوَةُ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو الْأَسْوَدِ يَرْوِي عَنْ عُرْوَةَ الْإِفْرَادَ ، وَالزّهْرِيّ يَرْوِي عَنْهُ الْقِرَانَ . فَإِنْ قَدّرْنَا تَسَاقُطَ الرّوَايَتَيْنِ سَلِمَتْ رِوَايَةُ مُجَاهِدٍ ، وَإِنْ حُمِلَتْ رِوَايَةُ الْإِفْرَادِ عَلَى أَنّهُ أَفْرَدَ أَعْمَالَ الْحَجّ تَصَادَقَتْ الرّوَايَاتُ وَصَدّقَ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَلَا رَيْبَ أَنّ قَوْلَ عَائِشَةَ وَابْنَ عُمَرَ أَفْرَدَ الْحَج ، مُحْتَمِلٌ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: الْإِهْلَالُ بِهِ مُفْرَدًا . الثّانِي: إفْرَادُ أَعْمَالِهِ . الثّالِثُ أَنّهُ حَجّ حَجّةً وَاحِدَةً لَمْ يَحُجّ مَعَهَا غَيْرَهَا ، بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ فَإِنّهَا كَانَتْ أَرْبَعَ مَرّاتٍ . وَأَمّا قَوْلُهُمَا: تَمَتّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجّ وَبَدَأَ فَأَهَلّ بِالْعُمْرَةِ ثُمّ أَهَلّ بِالْحَجّ ، فَحَكَيَا فِعْلَهُ فَهَذَا صَرِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَعْنًى وَاحِدٍ فَلَا يَجُوزُ رَدّهُ بِالْمُجْمَلِ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنّهُ أَهَلّ بِالْحَجّ مَا يُنَاقِضُ رِوَايَةَ مُجَاهِدٍ وَعُرْوَةَ عَنْهَا أَنّهُ قَرَنَ فَإِنّ الْقَارِنَ حَاجّ مُهِلّ بِالْحَجّ قَطْعًا ، وَعُمْرَتُهُ جُزْءٌ مِنْ حَجّتِهِ فَمَنْ أَخْبَرَ عَنْهَا أَنّهُ أَهَلّ بِالْحَجّ ، فَهُوَ غَيْرُ صَادِقٍ . فَإِنْ ضُمّتْ رِوَايَةُ مُجَاهِدٍ إلَى رِوَايَةِ عَمْرَةَ وَالْأَسْوَدِ ثُمّ ضُمّتَا إلَى رِوَايَةِ عُرْوَةَ تَبَيّنَ مِنْ مَجْمُوعِ الرّوَايَاتِ أَنّهُ كَانَ قَارِنًا ،