[ هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الْمُسْلِمِ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لِلذّمّيّ ]
فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ تُجَوّزُونَ لِلْمُسْلِمِ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ مِنْ الذّمّيّ لِاعْتِقَادِ الذّمّيّ حَلّهُمَا كَمَا جَوّزْتُمْ بَيْعَهُ الدّهْنَ الْمُتَنَجّسَ إذَا بَيّنَ حَالَهُ لِاعْتِقَادِهِ طَهَارَتَهُ وَحِلّهُ ؟ قِيلَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَثَمَنُهُ حَرَامٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنّ الدّهْنَ الْمُتَنَجّسَ عَيْنٌ طَاهِرَةٌ خَالَطَهَا نَجَاسَةٌ وَيَسُوغُ فِيهَا النّزَاعُ . وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنّهُ لَا يُنَجّسُ إلّا بِالتّغَيّرِ . وَإِنْ تَغَيّرَ فَذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى إمْكَانِ تَطْهِيرِهِ بِالْغَسْلِ بِخِلَافِ الْعَيْنِ الّتِي حَرّمَهَا اللّهُ فِي كُلّ مِلّةٍ وَعَلَى لِسَانِ كُلّ رَسُولٍ كَالْمَيْتَةِ وَالدّمِ وَالْخِنْزِيرِ فَإِنّ اسْتِبَاحَتَهُ مُخَالِفَةٌ لِمَا أَجْمَعَتْ الرّسُلُ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَإِنْ اعْتَقَدَ الْكَافِرُ حِلّهُ - فَهُوَ كَبَيْعِ الْأَصْنَامِ لِلْمُشْرِكِينَ وَهَذَا هُوَ الّذِي حَرّمَهُ اللّهُ [ ص 677 ] فَإِنْ قِيلَ فَالْخَمْرُ حَلَالٌ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَجَوّزُوا بَيْعَهَا مِنْهُمْ . قِيلَ هَذَا هُوَ الّذِي تَوَهّمَهُ مِنْ تَوَهّمِهِ مِنْ عُمّالِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ حَتّى كَتَبَ إلَيْهِمْ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ وَأَمَرَ عُمّالَهُ أَنْ يُوَلّوا أَهْلَ الْكِتَابِ بَيْعِهَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنْ يَأْخُذُوا مَا عَلَيْهِمْ مِنْ أَثْمَانِهَا فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدّثَنَا عَبْدُ الرّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى الْجُعْفِيّ عَنْ سُوِيدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّه عَنْهُ أَنّ نَاسًا يَأْخُذُونَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْخَنَازِيرِ فَقَامَ بِلَالٌ فَقَالَ إنّهُمْ لَيَفْعَلُونَ فَقَالَ عُمْرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَا تَفْعَلُوا وَلّوهُمْ بَيْعَهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَحَدّثَنَا الْأَنْصَارِيّ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سُوِيدِ بْنِ غَفَلَةَ أَنّ بِلَالًا قَالَ لِعُمَرِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إنّ عُمّالَك يَأْخُذُونَ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ فِي الْخَرَاجِ فَقَالَ لَا تَأْخُذُوا مِنْهُمْ وَلَكِنْ وَلّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا أَنْتُمْ مِنْ الثّمَنِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُرِيدُ أَنّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ أَهْلِ الذّمّةِ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ مِنْ جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ وَخَرَاجِ أَرْضِهِمْ بِقِيمَتِهَا ثُمّ يَتَوَلّى الْمُسْلِمُونَ بَيْعَهَا فَهَذَا الّذِي أَنْكَرَهُ بِلَالٌ وَنَهَى عَنْهُ عُمَرُ ثُمّ رَخّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْ أَثْمَانِهَا إذَا كَانَ أَهْلُ الذّمّةِ هُمْ الْمُتَوَلّينَ لِبَيْعِهَا لِأَنّ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ مَالٌ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذّمّةِ وَلَا تَكُونُ مَالًا لِلْمُسْلِمِينَ . قَالَ وَمِمّا يُبَيّنُ ذَلِكَ حَدِيثٌ آخَرُ لِعُمَرِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ حَدّثَنَا عَلِيّ بْنُ مَعْبَدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلَى الْعُمّالِ يَأْمُرُهُمْ بِقَتْلِ الْخَنَازِيرِ وَقَبْضِ أَثْمَانِهَا لِأَهْلِ الْجِزْيَةِ مِنْ [ ص 678 ] قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهُوَ لَمْ يَجْعَلْهَا قِصَاصًا مِنْ الْجِزْيَةِ إلّا وَهُوَ يَرَاهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ . فَأَمّا إذَا مَرّ الذّمّيّ بِالْخَمْرِ وَالْخَنَازِيرِ عَلَى الْعَاشِرِ فَإِنّهُ لَا يَطِيبُ لَهُ أَنْ يُعَشّرَهَا وَلَا يَأْخُذَ ثَمَنَ الْعُشْرِ مِنْهَا . وَإِنْ كَانَ الذّمّيّ هُوَ الْمُتَوَلّي لِبَيْعِهَا أَيْضًا وَهَذَا لَيْسَ مِنْ الْبَابِ الْأَوّلِ وَلَا يُشْبِهُهُ لِأَنّ ذَلِكَ حَقّ وَجَبَ عَلَى رِقَابِهِمْ وَأَرْضِيهِمْ وَأَنّ الْعَشْرَ هَاهُنَا إنّمَا هُوَ شَيْءٌ يُوضَعُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْخَنَازِيرِ أَنْفُسِهَا وَكَذَلِكَ ثَمَنُهَا لَا يَطِيبُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ اللّهَ إذَا حَرّمَ شَيْئًا حَرّمَ ثَمَنَهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّه عَنْهُ أَنّهُ أَفْتَى فِي مِثْلِ هَذَا بِغَيْرِ مَا أَفْتَى بِهِ فِي ذَاكَ وَكَذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ . حَدّثَنَا أَبُو الْأُسُودِ الْمِصْرِيّ حَدّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ السّبَائِيّ أَنّ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ بَعَثَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ