فهرس الكتاب

الصفحة 829 من 3657

وَهَذِهِ الْعِلَلُ وَالْأَسْبَابُ لَيْسَ عِنْدَ الْأَطِبّاءِ مَا يَدْفَعُهَا كَمَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يَدُلّ عَلَيْهَا وَالرّسُلُ تُخْبَرُ بِالْأُمُورِ الْغَائِبَةِ وَهَذِهِ الْآثَارُ الّتِي أَدْرَكُوهَا مِنْ أَمْرِ الطّاعُونِ لَيْسَ مَعَهُمْ مَا يَنْفِي أَنْ تَكُونَ بِتَوَسّطِ الْأَرْوَاحِ فَإِنّ تَأْثِيرَ الْأَرْوَاحِ فِي الطّبِيعَةِ وَأَمْرَاضِهَا وَهَلَاكِهَا أَمْرٌ لَا يُنْكِرُهُ إلّا مَنْ هُوَ أَجْهَلُ النّاسِ بِالْأَرْوَاحِ وَتَأْثِيرَاتِهَا وَانْفِعَالِ الْأَجْسَامِ وَطَبَائِعِهَا عَنْهَا وَاَللّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ يَجْعَلُ لِهَذِهِ الْأَرْوَاحِ تَصَرّفًا فِي أَجْسَامِ بَنِي آدَمَ عِنْدَ حُدُوثِ الْوَبَاءِ وَفَسَادِ الْهَوَاءِ كَمَا يُجْعَلُ لَهَا تَصَرّفًا عِنْدَ بَعْضِ الْمَوَادّ الرّدِيئَةِ الّتِي تُحْدِثُ لِلنّفُوسِ هَيْئَةً رَدِيئَةً وَلَا سِيّمَا عِنْدَ هَيَجَانِ الدّمِ وَالْمِرّةِ السّوْدَاءِ وَعِنْدَ هَيَجَانِ الْمَنِيّ فَإِنّ الْأَرْوَاحَ الشّيْطَانِيّةَ تَتَمَكّنُ مِنْ فِعْلِهَا بِصَاحِبِ [ ص 37 ] أَقْوَى مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ مِنْ الذّكْرِ وَالدّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ وَالتّضَرّعِ وَالصّدَقَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَإِنّهُ يَسْتَنْزِلُ بِذَلِكَ مِنْ الْأَرْوَاحِ الْمَلَكِيّةِ مَا يَقْهَرُ هَذِهِ الْأَرْوَاحَ الْخَبِيثَةَ وَيُبْطِلُ شَرّهَا وَيَدْفَعُ تَأْثِيرَهَا وَقَدْ جَرّبْنَا نَحْنُ وَغَيْرُنَا هَذَا مِرَارًا لَا يُحْصِيهَا إلّا اللّهُ وَرَأَيْنَا لِاسْتِنْزَالِ هَذِهِ الْأَرْوَاحِ الطّيّبَةِ وَاسْتِجْلَابِ قُرْبِهَا تَأْثِيرًا عَظِيمًا فِي تَقْوِيَةِ الطّبِيعَةِ وَدَفْعِ الْمَوَادّ الرّدِيئَةِ وَهَذَا يَكُونُ قَبْلَ اسْتِحْكَامِهَا وَتَمَكّنِهَا وَلَا يَكَادُ يَنْخَرِمُ فَمَنْ وَفّقَهُ اللّهُ بَادَرَ عِنْدَ إحْسَاسِهِ بِأَسْبَابِ الشّرّ إلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ الّتِي تَدْفَعُهَا عَنْهُ وَهِيَ لَهُ مِنْ أَنْفَعِ الدّوَاءِ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ إنْفَاذَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ أَغْفَلَ قَلْبَ الْعَبْدِ عَنْ مَعْرِفَتِهَا وَتَصَوّرِهَا وَإِرَادَتِهَا فَلَا يَشْعُرُ بِهَا وَلَا يُرِيدُهَا لِيَقْضِيَ اللّهُ فِيهِ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا . وَسَنَزِيدُ هَذَا الْمَعْنَى إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى إيضَاحًا وَبَيَانًا عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى التّدَاوِي بِالرّقَى وَالْعُوَذِ النّبَوِيّةِ وَالْأَذْكَارِ وَالدّعَوَاتِ وَفِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَنُبَيّنُ أَنّ نِسْبَةَ طِبّ الْأَطِبّاءِ إلَى هَذَا الطّبّ النّبَوِيّ كَنِسْبَةِ طِبّ الطّرْقِيّةِ وَالْعَجَائِزِ إلَى طِبّهِمْ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ حُذّاقُهُمْ وَأَئِمّتُهُمْ وَنُبَيّنُ أَنّ الطّبِيعَةَ الْإِنْسَانِيّةَ أَشَدّ شَيْءٍ انْفِعَالًا عَنْ الْأَرْوَاحِ وَأَنّ قُوَى الْعُوَذِ وَالرّقَى وَالدّعَوَاتِ فَوْقَ قُوَى الْأَدْوِيَةِ حَتّى إنّهَا تُبْطِلُ قُوَى السّمُومِ الْقَاتِلَةِ .

[ فَسَادُ الْهَوَاءِ جُزْءٌ مِنْ أَسْبَابِ الطّاعُونِ وَبَيَانُ حَالِهِ فِي الْفُصُولِ ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت