فهرس الكتاب

الصفحة 830 من 3657

وَالْمَقْصُودِ أَنّ فَسَادَ الْهَوَاءِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ السّبَبِ التّامّ وَالْعِلّةِ الْفَاعِلَةِ لِلطّاعُونِ فَإِنّ فَسَادَ جَوْهَرِ الْهَوَاءِ الْمُوجِبِ لِحُدُوثِ الْوَبَاءِ وَفَسَادِهِ يَكُونُ لِاسْتِحَالَةِ جَوْهَرِهِ إلَى الرّدَاءَةِ لِغَلَبَةِ إحْدَى الْكَيْفِيّاتِ الرّدِيئَةِ عَلَيْهِ كَالْعُفُونَةِ وَالنّتِنِ وَالسّمَيّةِ فِي أَيّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ أَوْقَاتِ السّنَةِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ حُدُوثِهِ فِي أَوَاخِرِ الصّيْفِ وَفِي الْخَرِيفِ غَالِبًا لِكَثْرَةِ اجْتِمَاعِ الْفَضَلَاتِ الْمَرَارِيّةِ الْحَادّةِ وَغَيْرِهَا فِي فَصْلِ الصّيْفِ وَعَدَمِ تَحَلّلِهَا فِي آخِرِهِ وَفِي الْخَرِيفِ لِبَرْدِ الْجَوّ وَرَدْغَةِ الْأَبْخِرَةِ وَالْفَضَلَاتِ الّتِي كَانَتْ تَتَحَلّلُ فِي زَمَنِ الصّيْفِ . فَتَنْحَصِرُ فَتَسْخَنُ وَتُعَفّنُ فَتُحْدِثُ الْأَمْرَاضَ الْعَفِنَةَ وَلَا سِيّمَا إذَا صَادَفَتْ الْبَدَنَ مُسْتَعَدّا قَابِلًا رَهَلًا قَلِيلَ [ ص 38 ] وَأَصَحّ الْفُصُولِ فِيهِ فَصْلُ الرّبِيعِ . قَالَ إِبّقْرَاط: إنّ فِي الْخَرِيفِ أَشَدّ مَا تَكُونُ مِنْ الْأَمْرَاضِ وَأَقْتَلُ وَأَمّا الرّبِيعُ فَأَصَحّ الْأَوْقَاتِ كُلّهَا وَأَقَلّهَا مَوْتًا وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الصّيَادِلَةِ وَمُجَهّزِي الْمَوْتَى أَنّهُمْ يَسْتَدِينُونَ وَيَتَسَلّفُونَ فِي الرّبِيعِ وَالصّيْفِ عَلَى فَصْلِ الْخَرِيفِ فَهُوَ رَبِيعُهُمْ وَهُمْ أَشْوَقُ شَيْءٍ إلَيْهِ وَأَفْرَحُ بِقُدُومِهِ وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ إذَا طَلَعَ النّجْمُ ارْتَفَعَتْ الْعَاهَةُ عَنْ كُلّ بَلَدٍ . وَفُسّرَ بِطُلُوعِ الثّرَيّا وَفُسّرَ بِطُلُوعِ النّبَاتِ زَمَنَ الرّبِيعِ وَمِنْهُ { وَالنّجْمُ وَالشّجَرُ يَسْجُدَانِ } [ الرّحْمَنُ 7 ] فَإِنّ كَمَالَ طُلُوعِهِ وَتَمَامَهُ يَكُونُ فِي فَصْلِ الرّبِيعِ وَهُوَ الْفَصْلُ الّذِي تَرْتَفِعُ فِيهِ الْآفَاتُ . وَأَمّا الثّرَيّا فَالْأَمْرَاضُ تَكْثُرُ وَقْتَ طُلُوعِهَا مَعَ الْفَجْرِ وَسُقُوطِهَا .

قَالَ التّمِيمِيّ فِي كِتَابِ"مَادّةِ الْبَقَاءِ": أَشَدّ أَوْقَاتِ السّنَةِ فَسَادًا وَأَعْظَمُهَا بَلِيّةً عَلَى الْأَجْسَادِ وَقْتَانِ

أَحَدُهُمَا: وَقْتُ سُقُوطِ الثّرَيّا لِلْمَغِيبِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ . [ ص 39 ] وَالثّانِي: وَقْتَ طُلُوعِهَا مِنْ الْمَشْرِقِ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ عَلَى الْعَالَمِ بِمَنْزِلَةٍ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ وَهُوَ وَقْتُ تَصَرّمٍ فَصْلُ الرّبِيعِ وَانْقِضَائِهِ غَيْرَ أَنّ الْفَسَادَ الْكَائِنَ عِنْدَ طُلُوعِهَا أَقَلّ ضَرَرًا مِنْ الْفَسَادِ الْكَائِنِ عِنْدَ سُقُوطِهَا . وَقَالَ أَبُو مُحَمّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ يُقَالُ مَا طَلَعَتْ الثّرَيّا وَلَا نَأْتِ إلّا بِعَاهَةٍ فِي النّاسِ وَالْإِبِلِ وَغُرُوبُهَا أَعْوَهُ مِنْ طُلُوعِهَا . وَفِي الْحَدِيثِ قَوْلٌ ثَالِثٌ - وَلَعَلّهُ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِهِ - أَنّ الْمُرَادَ بِالنّجْمِ الثّرَيّا وَبِالْعَاهَةِ الْآفَةُ الّتِي تُلْحِقُ الزّرُوعَ وَالثّمَارَ فِي فَصْلِ الشّتَاءِ وَصَدْرِ فَصْلِ الرّبِيعِ فَحَصَلَ الْأَمْنُ عَلَيْهَا عِنْدَ طُلُوعِ الثّرَيّا فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ وَلِذَلِكَ نَهَى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ بَيْعِ الثّمَرَةِ وَشِرَائِهَا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا . وَالْمَقْصُودُ الْكَلَامُ عَلَى هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عِنْدَ وُقُوعِ الطّاعُونِ .

فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي قَطْعِ الْعُرُوقِ وَالْكَيّ

ثَبَتَ فِي"الصّحِيحِ"مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَ إلَى أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا فَقَطَعَ لَهُ عِرْقًا وَكَوَاهُ عَلَيْه

وَلَمّا رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ حَسَمَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ وَرَمَتْ فَحَسَمَهُ الثّانِيَةَ وَالْحَسْمُ هُوَ الْكَيّ .

وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَوَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ بِمِشْقَصٍ ثُمّ حَسَمَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت