وَفِي لَفْظٍ آخَرَ أَنّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ رُمِيَ فِي أَكْحَلِهِ بِمِشْقَصٍ فَأَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِهِ فَكُوِي وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ أُتِيَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِرَجُلٍ نُعِتَ لَهُ الْكَيّ فَقَالَ اكْوُوهُ وَارْضِفُوهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الرّضْفُ الْحِجَارَةُ تُسَخّنُ ثُمّ يُكْمَدُ بِهَا . [ ص 59 ] وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ: حَدّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَوَاهُ فِي أَكْحَلِه وَفِي"صَحِيحِ الْبُخَارِيّ"مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنّهُ كُوِيَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَيّ وَفِي التّرْمِذِيّ عَنْ أَنَسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنْ الشّوْكَة وَقَدْ تَقَدّمَ الْحَدِيثُ الْمُتّفَقُ عَلَيْهِ وَفِيهِ وَمَا أُحِبّ أَنْ أَكْتَوِيَ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ وَأَنَا أَنْهَى أُمّتِي عَنْ الْكَيّ
وَفِي"جَامِعِ التّرْمِذِيّ"وَغَيْرِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَى عَنْ الْكَيّ قَالَ فَابْتُلِينَا فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا وَفِي لَفْظٍ نُهِينَا عَنْ الْكَيّ وَقَالَ فَمَا أَفْلَحْنَ وَلَا أَنْجَحْنَ قَالَ الْخَطّابِيّ: إنّمَا كَوَى سَعْدًا لِيَرْقَأَ الدّمُ مِنْ جُرْحِهِ وَخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِفَ فَيَهْلَكُ . وَالْكَيّ مُسْتَعْمَلٌ فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا يُكْوَى مَنْ تُقْطَعُ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ . وَأَمّا النّهْيُ عَنْ الْكَيّ فَهُوَ أَنْ يَكْتَوِيَ طَلَبًا لِلشّفَاءِ وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنّهُ [ ص 60 ] هَلَكَ فَنَهَاهُمْ عَنْهُ لِأَجْلِ هَذِهِ النّيّةِ . وَقِيلَ إنّمَا نَهَى عَنْهُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ خَاصّةً لِأَنّهُ كَانَ بِهِ نَاصُورٌ وَكَانَ مَوْضِعُهُ خَطَرًا فَنَهَاهُ عَنْ كَيّهِ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النّهْيُ مُنْصَرِفًا إلَى الْمَوْضِعِ الْمُخَوّفِ مِنْهُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْكَيّ جِنْسَانِ
كَيّ الصّحِيحِ لِئَلّا يَعْتَلّ فَهَذَا الّذِي قِيلَ فِيهِ لَمْ يَتَوَكّلْ مَنْ اكْتَوَى لِأَنّهُ يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ الْقَدَرَ عَنْ نَفْسِهِ .
وَالثّانِي: كَيّ الْجُرْحِ إذَا نَغِلَ وَالْعُضْوُ إذَا قُطِعَ فَفِي هَذَا الشّفَاءُ . وَأَمّا إذَا كَانَ الْكَيّ لِلتّدَاوِي الّذِي يَجُوزُ أَنْ يَنْجَعَ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَنْجَعَ فَإِنّهُ إلَى الْكَرَاهَةِ أَقْرَبُ . انْتَهَى . وَثَبَتَ فِي"الصّحِيحِ"فِي حَدِيثِ السّبْعِينَ أَلْفًا الّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ أَنّهُمْ الّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَتَطَيّرُونَ وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ فَقَدْ تَضَمّنَتْ أَحَادِيثُ الْكَيّ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا: فِعْلُهُ وَالثّانِي: عَدَمُ مَحَبّتِهِ لَهُ وَالثّالِثُ الثّنَاءُ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ وَالرّابِعُ النّهْيُ عَنْهُ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهَا بِحَمْدِ اللّهِ تَعَالَى فَإِنّ فِعْلَهُ يَدُلّ عَلَى جِوَازِهِ وَعَدَمُ مَحَبّتِهِ لَهُ لَا يَدُلّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ . وَأَمّا الثّنَاءُ عَلَى تَارِكِهِ فَيَدُلّ عَلَى أَنّ تَرْكَهُ أَوْلَى وَأَفْضَلُ . وَأَمّا النّهْيُ عَنْهُ فَعَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ وَالْكَرَاهَةِ أَوْ عَنْ النّوْعِ الّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بَلْ يُفْعَلُ خَوْفًا مِنْ حُدُوثِ الدّاءِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الصّرَعِ
أُخْرِجَا فِي"الصّحِيحَيْنِ"مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ قَالَ [ ص 61 ] ابْنُ عَبّاسٍ: أَلَا أُرِيَك امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنّةِ ؟ قُلْت: بَلَى . قَالَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ السّوْدَاءُ أَتَتْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَتْ إنّي أُصْرَعُ وَإِنّي أَتَكَشّفُ فَادْعُ اللّهَ لِي فَقَالَ"إنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللّهَ لَكِ أَنْ يُعَافِيَكِ"فَقَالَتْ أَصْبِرُ . قَالَتْ فَإِنّي أَتَكَشّفُ فَادْعُ اللّهَ أَنْ لَا أَتَكَشّفَ فَدَعَا لَهَا قُلْتُ الصّرْعُ صَرْعَانِ صَرْعٌ مِنْ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ الْأَرْضِيّةِ وَصَرْعٌ مِنْ الْأَخْلَاطِ الرّدِيئَةِ . وَالثّانِي: هُوَ الّذِي يَتَكَلّمُ فِيهِ الْأَطِبّاءُ فِي سَبَبِهِ وَعِلَاجِهِ .
[ إثْبَاتُ صَرْعِ الْأَرْوَاحِ ]