فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 3657

ج - أن الله رتب عليه خيري الدنيا والآخرة وما كان كذلك كان تحصيله واجبًا، أما من حيث التفصيل فحكمه بحسب المصبور عنه أو عليه، فهو واجب على الواجبات وواجب عن المحرمات، وهو مستحب عن المكروهات، ومكروه عن المستحبات، ومستحب على المستحبات، ومكروه على المكروهات، ومما يدل على أن الصبر قد لا يكون لازمًا قوله تعالى (( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) )، فالصبر عن مقابلة السيئة بمثلها ليس واجبًا بل مندوبًا إليه.

وقد أمر الله المؤمنين بالصبر والمصابرة والمرابطة فقال: (( ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) )، وصيغة المصابرة تفيد المفاعلة من الجانبين، والمعنى هنا: مغالبة الأعداء في الصبر، فإذا كنا نصبر على حقنا، فإن المشركين يصبرون على باطلهم؛ فلا بد أن نغلبهم بمصابرتنا، ثم أمرنا بالمرابطة على تلك المصابرة والثبات عليها لنحقق موعود الله ونظفر بالفلاح، فانتقلت الآية بالأمر من الأدنى إلى الأعلى فالصبر مع نفسك، والمصابرة بينك وبين عدوك والمرابطة: الثبات وإعداد العدة، وكما أن الرباط لزوم الثغر لئلا يهجم منه العدو فكذلك الرباط أيضًا لزوم ثغر القلب لئلا يهجم منه الشيطان فيملكه أو يخربه أو يناله بأذى. وعليه فقد يصبر العبد ولا يصابر، وقد يصابر ولا يرابط، وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى، فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك كله بالتقوى.

د - درجاته:

الصبر نوعان، بدني ونفسي وكل منهما قسمان: اختياري واضطراري، فصارت أربعة:

أ - بدني اختياري، كتعاطي الأعمال الشاقة.

ب - بدني اضطراري كالصبر على ألم الضرب.

ج - نفسي اختياري كصبر النفس عن فعل مالا يحسن فعله شرعًا ولا عقلًا.

د - نفسي اضطراري كصبر النفس عن فقدان محبوبها الذي حيل بينها وبينه.

والبهائم تشارك الإنسان في النوعين الاضطراريين لكنه يتميز عليها بالنوعين الاختياريين، والصبر الاختياري أكمل من الاضطراري، فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختياري، ولذلك كان صبر يوسف على مطاوعة امرأة العزيز وصبره على ما ناله من السجن أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه في الجب وفرقوا بينه وبين أبويه، وباعوه بيع العبد، ومن الصبر الاختياري صبره على العز والتمكين الذي أورثه الله إياه فجعله مسخرًا لطاعة الله ولم ينقله ذلك إلى الكبر والبطر، وكذلك كان صبر نوح والخليل وموسى الكليم والمسيح ومحمد صلى الله عليه وسلم فإن صبرهم كان على الدعوة إلى الله ومجاهدة أعداء الله ولهذا سموا أولي العزم، وأمر الله رسوله أن يصبر كصبرهم (( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ) )ونهاه عن أن يتشبه بصاحب الحوت حيث لم يصبر فخرج مغاضبًا قبل أن يؤذن له (( فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت ) )ولهذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على أولي العزم حتى ردوها إلى خيرهم وأفضلهم وأصبرهم.

واعلم أن الصبر المتعلق بالتكليف وهو صبر إما على الطاعة أو عن المعصية أفضل من الصبر على مر القدر فإن هذا الأخير يأتي به البر والفاجر والمؤمن والكافر فلابد لكل أحد من الصبر على القدر اختيارًا أو اضطرارًا، أما الصبر على الأوامر وعن النواهي فهو صبر أتباع الرسل، والصبر على الأوامر أفضل من الصبر عن النواهي لأن فعل المأمور أحب إلى الله من ترك المحظور والصبر على أحب الأمرين أفضل وأعلى

2-فضائل الصبر في القرآن الكريم:

حديث القرآن عن فضائل الصبر كثير جدًا، وهذه العجالة لا تستوعب كل ما ورد في ذلك لكن نجتزىء منه بما يلي:

1-علق الله الفلاح به في قوله: (( ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) ).

2-الإخبار عن مضاعفة أجر الصابرين على غيره: (( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) )وقال: (( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) ).

3-تعليق الإمامة في الدين به وباليقين: (( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا، وكانوا بآياتنا يوقنون ) ).

4-ظفرهم بمعية الله لهم: (( إن الله مع الصابرين ) ).

5-أنه جمع لهم ثلاثة أمور لم تجمع لغيرهم: (( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) ).

6-أنه جعل الصبر عونًا وعدة، وأمر بالاستعانة به: (( واستعينوا بالصبر والصلاة ) ).

7-أنه علق النصر بالصبر والتقوى فقال: (( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) ).

8-أنه تعالى جعل الصبر والتقوى جنة عظيمة من كيد العدو ومكره فما استجن العبد بأعظم منهما: (( وإن تصبروا وتتقوا لايضركم كيدهم شيئًا ) ).

9-أن الملائكة تسلم في الجنة على المؤمنين بصبرهم (( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) ).

10-أنه سبحانه رتب المغفرة والأجر الكبير على الصبر والعمل الصالح فقال: (( إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت