وعندما تضطرب أمور المعركة، وينفرط عقدها تكون الحاجة إلى الصبر أعظم وأشد كما حدث في أحد حين انكشف المسلمون وشاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل، انجفل فريق من المسلمين منهزمين، وصبر آخرون فنزل من القرآن إشادة بمن صبروا، وإنكار على أولئك: (( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) )ثم لا يعذرهم في فرارهم وانهزامهم (( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا، وسيجزي الله الشاكرين ) )إلى أن قال: (( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ) ).
وقد حدثنا عن الثلة المؤمنة مع طالوت عندما انتصرت لما اعتصمت بالصبر، وقد اختبر طالوت من معه بقوله: (( إن الله مبتليكم بنهر.. ) ) (( فصبر ثلة مؤمنة على ترك الشرب من النهر إلا غرفة باليد ) ) (( فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه، قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله، كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا: ربنا أفرغ علينا صبرًا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ) )، لقد سألوا الله حين اللقاء صبرًا وأوعبوا، فقالوا (( أفرغ ) )، إذ هم بحاجة إلى صبر كثير، وكانت النتيجة (( فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت.. ) ).
و - الصبر في مجال العلاقات الإنسانية:
لا تستقيم الحياة مع الناس إلا بالصبر بدءًا بأقرب من يعاشرك وهي الزوجة وانتهاءً بأبعد الناس عنك، وقد قال الله تعالى مبينًا ما ينبغي أن يتحلى به الزوج من صبر في مواجهة مشاكل الزوجية: (( وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا ) )، أي فاصبروا فعاقبة الصبر حميدة، ويوصي الله عباده بالصبر على ما يلاقونه من الناس من ضر، وأن لا يقابلوا السيئة بمثلها فيقول: (( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) ).
ومما يُنظم في هذا العقد صبر التلميذ على التعلم والمعلم، وهذا ما حدثنا عنه في القرآن عندما ذهب موسى إلى الخضر ليعلمه مما علمه الله، قال له الخضر إما لأن الله أخبره بالحقيقة أو تهييجًا على الصبر -قال: (( إنك لن تستطيع معي صبرًا، وكيف تصبر على مالم تحط به خبرًا ) )، فتعهد موسى بالصبر - قال: (( ستجدني إن شاء الله صابرًا ) )...
4-الأسباب المعينة على الصبر:
أ - المعرفة بطبيعة الحياة الدنيا:
إن من عرف طبيعة الدنيا وما جبلت عليه من الكدر والمشقة والعناء هان عليه ما يبتلى به فيها لأنه وقع في أمر يتوقعه، والشيء من معدنه لا يستغرب، وقد عرفنا الله بهذه الحقيقة فقال: (( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) )، أي في مشقة وعناء، وقال: (( ياأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه ) )، وبين جل جلاله أنها لا تدوم على حال بل يوم لك ويوم عليك (( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس ) ).
إن من لا يعرف هذه الحقيقة سيفاجأ بوقائع الأحداث تصب على رأسه صبًا فيظن أنه الوحيد من بين بني الإنسان الذي يصاب بذلك لشؤمه وسوء حظه، ولذلك يبادر بعضهم بالإجهاز على نفسه بالانتحار، لأنه ما علم أن لكل فرحة ترحة وما كان ضحك إلا كان بعده بكاء، وما ملئ بيت حبرة إلا ملىء عبرة، وما عبت دار من السرور إلا عبت من الحزن،"وأنه لو فتش العالم لم ير فيه إلا مبتلى: إما بفوات محبوب أو حصول مكروه، وأن سرور الدنيا أحلام نوم أو كظل زائل، إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن سرت يومًا أساءت دهرًا، وإن متعت قليلًا، منعت طويلًا...".
ب - معرفتك بأنك وما بيدك ملك لله تعالى ومرجعك إليه:
قال تعالى: (( ومابكم من نعمة فمن الله ) )، وقد علمنا في كتاب ربنا أن نقول عند حلول المصائب: (( إنا لله وإنا إليه راجعون ) )، يقول ابن القيم:"وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب، وأنفعه له في عاجلته وآجلته، فإنها تتضمن أصلين عظيمين، إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته:"
أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجل، وقد جعل عند العبد عارية. وأيضًا، فإنه محفوف بعدمين، عدم قبله، وعدم بعده حتى يكون ملكه حقيقة، ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده، ولا يبقى عليه وجوده، فليس له فيه تأثير ولا ملك حقيقي.