فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 3657

ومما يدخل في هذا النوع من الصبر، الصبر عن التطلع إلى مابيد الآخرين من الدنيا، والصبر عن الاغترار بما ينعمون به من مال وبنين قال تعالى: (( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين، نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) )وقد نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: (( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى ) )، فالمؤمن من يعتز بنعمة الهداية ويعلم أنما هم فيه من الدنيا ظل زائل وعارية مستردة ولا يبالي بمظاهر الفخامة التي يتبجح بها الطغاة، لقد قال الذين يريدون الحياة الدنيا لما رأوا قارون في زينته (( يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظ عظيم ) )، أما أهل العلم والإيمان فقالوا: (( ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحًا ولا يلقاها إلا الصابرون ) ).

ج - الصبر على طاعة الله تعالى:

إن الصبر على طاعة الله أعظم مجالات الصبر وهو لذلك أشدها على النفوس وقد جاءت صيغة الأمر بالصبر على الطاعة مغايرة لغيرها فقال تعالى: (( رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته، هل تعلم له سميًا ) )، وقال: (( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها، لا نسألك رزقًا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) )، فاستخدم صيغة الافتعال وهو يدل على المبالغة في الفعل إذ زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وما ذاك إلا لمشقة مجاهدة النفوس على القيام بحق العبودية في كل الأحوال. واعلم أن الصبر على الطاعة له ثلاث أحوال:

1-قبل الطاعة، بتصحيح النية والصبر على شوائب الرياء، وعقد العزم على الوفاء ولعل هذا يظهر سر تقديم الصبر على العمل الصالح في قوله: (( إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ) ).

2-حال الطاعة بأن لا يغفل عن الله فيها، ولا يتكاسل عن تحقيق آدابها وسننها، ولعله المراد بقوله: (( نعم أجر العاملين، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) )صبروا إلى تمام العمل.

3-بعد الفراغ منها فيصبر على عدم افشائها والمراءاة والإعجاب بها، وترك ما يبطلها قال تعالى: (( ولا تبطلوا أعمالكم ) )، وقال: (( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) ).

د - الصبر على مشاق الدعوة إلى الله:

غير خاف عليك ضرورة صبر الداعية على ما يلاقيه في دعوته، فإنه يأتي الناس بما لا يشتهونه ولا يألفونه، وبما يخالف ما وجدوا عليه آباءهم، فلذلك يقاومون الدعوة بكل ما أوتوا من قوة، ويوصلون الأذى بالداعية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

-إن اعراضهم عن الدعوة يحتاج إلى صبر كصبر نوح الذي بقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عامًا وحكى الله عنه قوله: (( رب إني دعوت قومي ليلًا ونهارًا فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكبارًا... الآية ) ).

-وما يحيكه المغرضون من مؤامرات الكيد التي تؤذي الداعية في أهله ونفسه وماله تحتاج إلى صبر، وهذا ما أكده الله تعالى بقوله: (( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا، وإن تصبروا وتتقوا، فإن ذلك من عزم الأمور ) )، وقد أمر الله رسوله بقوله: (( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميلًا ) )، وقد أجمع الأنبياء على رد أذى أقوامهم بالصبر (( ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) (( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا، ولا مبدل لكلمات الله ) )، وسحرة فرعون لما وقر الإيمان في قلوبهم قابلوا تهديده بالقتل والصلب بقولهم (( إنا إلى ربنا منقلبون، وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا، ربنا أفرغ علينا صبرًا، وتوفنا مسلمين ) ).

-إن طول الطريق، واستبطاء النصر يحتاج إلى صبر، وصبر حار شديد ولذا خوطب المؤمنون في القرآن بقوله تعالى: (( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا، حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب ) )، وقوله: (( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) ).

هـ الصبر حين البأس:

أي الصبر في الحرب وعند لقاء العدو والتحام الصفوف، فالصبر ثَمّ شرط للنصر، والفرار كبيرة، وقد أثنى الله تعالى على الصابرين في ساعة القتال فقال في آية البر: (( والصابرين في البأساء ) )أي الفقر (( والضراء ) )أي المرض، وحين البأس، (( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) )ويوجبه على عباده بقوله: (( ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون، وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا، إن الله مع الصابرين ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت