فهرس الكتاب

الصفحة 954 من 3657

وما كانت مداعبته صلى الله عليه وسلم ولا مزاحه للكبار دون الصغار، إنما هو للصغير كما هو للكبير، وللنساء كما هو للرجال. يقول أنس رضي الله عنه: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى إن كان ليقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير، ما فعل النغير" (13) . ويداعب أنسا رضي الله عنه ويقول له:"يا ذا الأذنين" (14) ."

ويرسل النبي صلى الله عليه وسلم أنسًا رضي الله عنه يومًا.. ولنترك أنسًا رضي الله عنه يقص علينا الخبر: يقول أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقًا، فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك. فقال: يا أنيس، ذهبت حيث أمرتك؟ قال: قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله صلى الله عليه وسلم" (15) ."

ويُخرج لسانه للحسن والحسين صغارًا مداعبًا إياهما رضي الله عنهما، ويطأ ظهره لولديه الحسن والحسين ليركبا، ويدخل عليه أحد أصحابه فيقول:"نعم المركب ركبتما، فيقول: ونعم الفارسان هما" (16) .

وفي رواية عند الطبراني: عن أبي هريرة قال: سمعت أذناي هاتان، وأبصرت عيناي هاتان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بكفيه جميعًا، حسنًا أو حسينًا، وقدماه على قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: حُزُقَّة حُزُقَّة ارَقَّ عين بَقَّة، فيرقى الغلام حتى يضع قدمه على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال له: افتح فاك، قال: ثم قبله، ثم قال: اللهم أحبه، فإني أحبه (17) .

وتأمل حاله صلى الله عليه وسلم وهو يرى الحسن يصارع الحسين، فيجلس ويشاهد ويشجع.. عن جابر عن أبي جعفر قال: اصطرع الحسن والحسين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو حسين، فقالت فاطمة: كأنه أحب إليك؟ قال: لا، ولكن جبريل يقول هو حسين". (18) "

وهذا عبد الله بن الحارث يقص علينا مشهدًا عجيبًا فيقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف عبد الله وعبيد الله، وكثيرًا بني العباس ثم يقول:"من سبق إليّ فله كذا وكذا"، قال: فيستبقون إليه، فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلتزمهم (19) .

وها هو صلى الله عليه وسلم يمازح يتيمة كانت عند أم سلمة، لكنها لا تفهم مقصوده صلى الله عليه وسلم فتحزن، ومن ذلك حديث أنس بن مالك قال: كانت عند أم سليم -وهي أم أنس- يتيمة، فرأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اليتيمة، فقال: آنت هيه؟ لقد كبرت لا كبر سنك، فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: ما لك يا بنية؟ قالت الجارية: دعا عليَّ نبي الله -صلى الله عليه وسلم- أن لا يكبر سني أبدًا، أو قالت: قرني، فخرجت أم سليم متعجلة تلوث خمارها حتى لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك يا أم سليم؟ فقالت: يا نبي الله، أدعوت على يتيمتي؟ قال: وما ذاك يا أم سليم؟ قالت: زعمت أنك دعوت أن لا تكبر سنها، أو أن لا يكبر قرنها، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا أم سليم، أما تعلمين شرطي على ربي؟ إني اشترطت على ربي فقلت:"إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها طهورا وزكاة وقربة يقربه بها يوم القيامة" (20) .

منهج نبوي في المزاح:

إن العبادة الدائمة أو الذكر المتواصل أمل تهفو إليه النفوس الكبار، وتحوم حوله همم العظام، بيد أن النفس البشرية جبلت على الملل إن استمرت على أمر ثابت أو عمل متواصل، حتى ولو كان عبادة الله عز وجل، وفي الحديث:"خذوا من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى (21) تملوا" (22) .

والمتأمل للأحاديث السابقة والمواقف المتقدمة يدرك هدي النبي صلى الله عليه وسلم في المداعبة والمزاح والترويح عن النفس حتى لا تمل، وقد بينها النبي صلى الله عليه وسلم صراحة للصديق رضي الله عنه حين دخل الصديق يوم العيد فوجد جاريتين تغنيان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم فانتهرهما، فقال صلى الله عليه وسلم: دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام العيد" (23) . وفي رواية:"حتى يعلم يهود أن في ديننا فسحة" (24) ."

والذي يظهر من هذا كله: أن المزاح ليس محرمًا شرعًا، ولا ممنوعًا عُرْفا، وكذلك الضحك؛ إنما الممنوع الإكثار الذي تضيع معه الحقوق، ويُخرج به من الصدق إلى الكذب، ولله در أنس حين وصف النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"كان رسول الله من أفكه الناس" (25) .

ولذا قال صلى الله عليه وسلم:"لا تكثر من الضحك"فقد منع من الإكثار، ولم يمنع أصل الضحك؛ بل هو في حديث أبي ذر المتقدم قال:"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا"، فهو صلى الله عليه وسلم لم يمنع الضحك، إنما دعا إلى التقليل منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت