لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجًا عن الفطر السوية في فعل من أفعاله، أو قول من أقواله، ولقد صدق الأعرابي حين سئل عن سبب إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: ما أمر بشيء واستقبحه العقل، ولا نهى عن شيء واستحسنه العقل.
ويحاول البعض أن يمنع الضحك بحجة هموم الدعوة، وهم الدين، بيد أن هذه حجة واهية، فلم يكن هناك، ولن يكون، من هو أكثر اهتماما بالدعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هناك من تعددت لديه الواجبات كما تعددت لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد كان -بأبي هو وأمي- إمامًا للناس، ومعلمًا للخلق، ومفقها للدين، وحاكمًا بين الناس، وقاضيًا بينهم، ومجيشًا للجيوش، وباعثًا للسرايا، كما كان أبا رحيمًا، وزوجًا بارًا، وأخًا ودودًا، وصديقًا وفيًّا، ومع هذا كله فقد كان صلى الله عليه وسلم ضحاكًا بسامًا، وتؤكد ذلك السيدة عائشة فتقول حين سألتها عمرة قالت: سألت عائشة كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في البيت؟ قالت: ألين الناس، بسامًا ضحاكا" (26) ."
وفي رواية عند الترمذي في العلل: عن عائشة أنها سئلت كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيته؟ فقالت: كان ألين الناس وأكرم الناس، كان رجلًا من رجالكم، إلا أنه كان ضحّاكًا بسّامًا". ويقول أبو أمامة:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أضحك الناس، وأطيبهم نفسا" (27) ."
وقد يظهر التعارض بين الأحاديث فيزيله قول الإمام السيوطي:"كان من أضحك الناس"لا ينافيه خبر"أنه كان لا يضحك إلا تبسما"؛ لأن التبسم كان أغلب أحواله، فمن أخبر به أخبر عن أكثر أحواله، ولم يعرج على ذلك لندوره، أو كل راوٍ روى بحسب ما شاهد، فالاختلاف باختلاف المواطن والأزمان، وقد يكون في ابتداء أمره كان يضحك حتى تبدو نواجذه، وكان أخرى لا يضحك إلا تبسمًا (28) .
بل لقد كانت بعض المواقف تأخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم كل المآخذ حتى يضحك ويستعلي به الضحك -ولكن ذلك على سبيل الندرة- فعن أبي أمامة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومًا لأصحابه: هل أصبح أحد منكم اليوم صائمًا؟ فسكتوا، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أنا يا رسول الله، ثم قال: هل عاد أحد منكم اليوم مريضًا؟ فسكتوا، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أنا يا رسول الله، ثم قال: هل تصدق أحد منكم اليوم صدقة؟ فسكتوا، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أنا يا رسول الله؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استعلى به الضحك، ثم قال: والذي نفسي بيده، ما جمعهن في يوم واحد إلا مؤمن، وإلا دخل بهن الجنة" (29) ."
ولربما ضحك صلى الله عليه وسلم من حدث عامًا كاملًا؛ فعن أم سلمة أن أبا بكر خرج تاجرًا إلى بصرى ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة وكلاهما بدري، وكان سويبط على الزاد، فجاءه نعيمان فقال: أطعمني، فقال: لا حتى يأتي أبو بكر، وكان نعيمان رجلا مضحاكًا مزاحًا، فقال: لأغيظنك، فذهب إلى أناس جلبوا ظهرًا (30) ، فقال: ابتاعوا (31) مني غلامًا عربيًا فارهًا، وهو ذو لسان، ولعله يقول: أنا حر، فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوني لا تفسدوا عليَّ غلامي، فقالوا: بل نبتاعه منك بعشر قلائص (32) ، فأقبل بها يسوقها، وأقبل بالقوم حتى عقلها، ثم قال للقوم: دونكم هو هذا.
فجاء القوم فقالوا: قد اشتريناك، قال سويبط: هو كاذب، أنا رجل حر. فقالوا: قد أخبرنا خبرك، وطرحوا الحبل في رقبته فذهبوا به، فجاء أبو بكر فأخبر، فذهب هو وأصحاب له فردوا القلائص وأخذوه، فضحك منها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا" (33) ."
بيد أن هذا لم يكن هو الحال الدائم أو الصفة الملازمة، وهذا ما يؤكده حديث جابر حيث قال:"كان لا ينبعث في الضحك" (34) . وكان لا ينبعث في الضحك أي لا يسترسل فيه.
ولله در صاحب كتاب"تأويل مختلف الحديث"حين قال:"فلو ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم طريق الطلاقة والهشاشة والدماثة إلى القطوب والعبوس والزماتة أخذ الناس أنفسهم بذلك على ما في مخالفة الغريزة من المشقة والعناء، فمزح صلى الله عليه وسلم ليمزحوا، ووقف على أصحاب الدركلة (35) وهم يلعبون فقال:"خذوا يا بني أرفدة؛ ليعلم اليهود أن في ديننا فسحة" (36) . يريد ما يكون في العرسات لإعلان النكاح، وفي المآدب لإظهار السرور."
وقد درج الصالحون والأخيار على أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في التبسم والطلاقة والمزاح بالكلام المجانب للقدح والشتم والكذب، فكان علي رضي الله عنه يكثر الدعابة.
* باحث مصري في العلوم الشرعية، مقيم في قطر. ويمكنكم التواصل معه أو مراسلتنا بمشاركاتكم وآرائكم على بريد الصفحة:alhabib@iolteam.com.
(1) متفق عليه، رواه البخاري في الصلاة رقم (441) ، ومسلم في فضائل الصحابة (2409) .
(2) مَكِّني من القصاص.
(3) ما بين الخاصرة إلى الضلع الأقصر من أضلاع الجنب.
(4) سبق تخريجه.
(5) سبق تخريجه.