فهرس الكتاب

الصفحة 1077 من 3657

وتبعه في ذلك تلميذه ابن قيم الجوزية رحمه الله حيث يقول:"إنّ هذه الطريقة أي طريقة التلفيق بين جمع صيغ الصلاة طريقة محدثة لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين وأنّ صاحبها إن طردها لزمه أن يستحب للمصلي أن يستفتح بجميع الاستفتاحات وأن يستشهد بجميع التشهدات وأن يقول في ركوعه وسجوده جميع الأذكار الواردة فيه. وهذا باطل فإنه خلاف عمل الناس ولم يستحبه أحد من أهل العلم وهو بدعة وإن لم يطردها تناقض وفرق بين متماثلين" [131] .

والرأي الأخير هو الأصح لأن هذه الصيغ تثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الكيفية وأنه علّم أصحابه بهذه الكيفية، بعد ما سألوه عنها ولأن التلفيق يترتب عنه صيغة مصطنعة مؤتلفة لم يقل بها الرسول صلى الله عليه وسلم وعلينا الاتباع لا الابتداع.

هذا ما يتعلق بصيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قولًا. وأما الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كتابة فقد اصطلح المؤلفون على كتابة عبارة"صلى الله عليه وسلم"بعد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.

ولذلك يكره أن يقتصر على الصلاة دون السلام أو السلام دون الصلاة كما أنه يكره أن يرمز إليهما بحرفين أو نحو ذلك مثل صعم أو"صلعم"أو"ص"أو"صلم"وما شابه ذلك.

يقول ابن كثير رحمه الله تعالى نقلًا عن ابن الصلاح:"وليحافظ على الثناء على الله عز وجل والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن تكرر فلا يسأم فإن فيه خيرًا كثيرًا. بحيث يكتب الصلاة والتسليم كاملة لا رمزًا ولا يقتصر على قوله"عليه السلام"يعني وليكتب"صلى الله عليه وسلم"واضحة كاملة [132] ."

ومستند الجمع بين الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بهما معًا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56] . ومعنى السلام فقيل السلام الذي هو اسم من أسماء الله عليك وتأويله لا خلوت من الخيرات والبركات وسلمت من المكاره والآفات....

ويحتمل أن يكون بمعنى السلام أي ليكن قضاء الله عليك السلام وهو السلامة كالمقام والمقامة... أي يسلمك الله من الملام والنقائص...

ويحتمل أن يكون بمعنى المسالمة له والانقياد [133] .

وأما حكم السلام عليه صلى الله عليه وسلم فتابع لحكم الصلاة عليه لأمر الوارد بهما معًا في الآية السابقة.

وأما صيغة السلام عليه فهي"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته الواردة في التشهد"كما هو الظاهر [134] .

وأما مواطنها المتفق عليها فهي في التشهد وعند زيارة قبره صلى الله عليه وسلم بأبي وأمي.

وأما ثوابها فتشترك الصلاة في كثير من ذلك.

مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: ذكر العلماء مواطن كثيرة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فمنهم من ذكر أربعين موطنًا كابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في جلاء الأفهام [135] ، وكذلك السخاوي في القول البديع [136] نحو عدد المواطن التي ذكرها ابن القيم. ومنهم من ذكر اثنين وثلاثين موطنًا كصاحب بهجة المحافل [137] .

ونذكر هنا أهم ما صح من هذه المواطن وخاصة المرفوع من ذلك.

الموطن الأول: في الصلوات عامة بعد التشهد لحديث فضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصلّ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عجل هذا، ثم دعاه فقال له ولغيره:"إذا صلّى أحدكم فليبدأ بتمجيد اللّه والثناء عليه ثم يصلّي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بعد بما شاء" [138] ."

وهذا الحديث يدل في منطوقه على أنّ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مطلوبة في الصلاة.

الموطن الثاني: صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية: لحديث الزهري قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يحدث سعيد بن المسيب قال:"إن السنة في صلاة الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخلص الدعاء للميت متى يفرغ ولا يقرأ إلا مرّة واحدة ثم يسلم في نفسه" [139] .

الموطن الثالث: عقب إجابة المؤذن: لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا سمع المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلّوا عليّ فإنّ من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرًا ثم سلوا لي الوسيلة فإنَّها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له شفاعتي" [140] .

وهذه الصلاة ينبغي أن يقولها القائل سرًّا لا جهرًا خلافًا لما يفعله الناس وخاصة المؤذنون من الجهر بالآية [141] ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت