فهرس الكتاب

الصفحة 1439 من 3657

وأما تعظيم اللسان فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به عليه ربه وأثنى على نفسه من غير غلو ولا تقصير ومن أعظم ذلك الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم كما أمر الله تعالى حين قال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (الأحزاب56) ذلك أن معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه فمعنى قولنا: اللهم صل على محمد عظم محمدا والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته وإبداء فضيلته بالمقام المحمود وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى: (صلوا عليه) ادعوا ربكم بالصلاة عليه" ( [74] ) ."

ومن تعظيم اللسان ألا نذكره باسمه فقط بل لابد من زيادة ذكر النبوة والرسالة والصلاة والسلام عليه لقوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا) .

ومن تعظيم اللسان تعداد فضائله وخصائصه ومعجزاته ودلائل نبوته وتعريف الناس بسنته وتعليمهم إياها وتذكيرهم بمكانته ومنزلته وحقوقه وذكر صفاته وأخلاقه وخلاله وما كان من أمر دعوته وسيرته وغزواته والتمدح بذلك شعرًا ونثرًا بشرط أن يكون ذلك في حدود ما أجازه الشرع بعيدا عن مظاهر البدعة والغلو والإطراء المحظور.

وأما تعظيم الجوارح له صلى الله عليه وسلم فهو العمل بشريعته والتأسي بسنته ظاهرًا وباطنًا والتمسك بها والحرص عليها وتحكيم ما جاء به في الأمور كلها والسعي في إظهار دينه ونصر ما جاء به والاجتناب عما نهى عنه ( [75] ) .

المبحث الثالث: النهي عن الغلو في حقه صلى الله عليه وسلم

الغلو في اللغة: هو مجاوزة الحد.

وشرعًا: مجاوزة حدود ما شرع الله سواء كان ذلك التجاوز في جانب الاعتقاد أو القول أو العمل ( [76] ) .

وقد نهى عز وجل عن الغلو فقال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} (النساء171) وقال: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} (المائدة77) .

قال ابن القيم:"ومن أسباب عبادة الأصنام الغلو في المخلوق وإعطاؤه فوق منزلته حتى جعل فيه حظ من الإلهية وشبهوه بالله سبحانه وهذا هو التشبيه الواقع في الأمم الذي أبطله الله سبحانه وبعث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله" ( [77] ) .

وعن بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" ( [78] ) .

وهذا التحذير من الغلو عام في جميع أنواع الغلو فيشمل الاعتقادات والأعمال كما قال شيخ الإسلام، ولهذا كانت الوسطية مما تميز به هذا الدين عن غيره من الأديان التي دخلها التحريف فسار بعضها مشرقا وبعضه الآخر مغربًا، ونرى بجلاء هذا التوسط والاعتدال في جوانب شتى منها عقيدة الإيمان بالأنبياء، فاليهود كذبوا الرسل وعذبوهم وقتلوهم، والنصارى غالوا فيهم لدرجة رفع بعضهم إلى مرتبة الإلهية، ولهذا حذر الله من هذا الغلو ونسبه إلى أهل الكتاب كما في الآيات السابقة.

ولخطر الغلو في الأنبياء وخاصة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد امتلأ القرآن ببيان بشريته صلى الله عليه وسلم وعبوديته لخالقه سبحانه، فقال تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي) (الكهف110) وذكره سبحانه بصفة العبودية في عدة آيات فقال: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) (الإسراء1) وقال: (فأوحى إلى عبده ما أوحى) (النجم10) .

وبين سبحانه أن الرسل لا يملكون شيئا من خصائص الألوهية والربوبية فقال سبحانه: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} (الأنعام50) وقال تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (الأعراف188) وقال سبحانه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} (آل عمران128) وبين سبحانه كفر من يرفع النبيين فوق مقامهم قال تعالى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران80) أي كما اتخذت الصابئة الملائكة واليهود عزيرًا والنصارى عيسى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت