ووصف الأنبياء بما سبق لا يعني البتة الانتقاص من قدرهم أو مكانته بل لهم المقام الرفيع والمكانة السامية كيف لا وهم مبلغوا دين الله إلى البشر والدعاة الأول إلى الإيمان، يقول سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} (النساء150) فحكم سبحانه بكفر من يرفع النبيين فوق قدرهم بحيث يضفي عليهم صفات اختص بها الله سبحانه كما حكم بكفر من كذب بنبي واحد إذ الكفر بواحد"كفر بسائر الأنبياء فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض" ( [79] ) .
وفي النهي عن الغلو في حقه صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه قال:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله" ( [80] ) .
وصح عنه أيضا قوله:"لا تتخذوا قبري عيدًا" ( [81] ) .
وقال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال:"أجعلتني لله عدلا -أي ندا- بل ما شاء الله وحده" ( [82] ) .
نماذج من الغلو:
رغم النهي الوارد في القرآن والسنة عن الغلو فيه بما يجعله ندا لله أو إضفاء صفات أو بعض صفات الألوهية عليه صلى الله عليه وسلم رغم ذلك فقد وجد من لم يفقه ذلك كله، ورفضه قولًا وعملًا، ولم يكتف بهذا بل جادل وناظر وألف حاضر في سبيل بث هذه الروح والرؤية المنحرفة التي لا تمت إلى شريعة الإسلام الحقة النقية بأدنى صلة، وقد تنوعت أساليب الغلو وأخذت أشكالا عقدية عدة ورغم أنها بدأت بذرات وأفكار متناثرة هنا وهناك إلا أن فترة الجمود والتقليد والتي خيم ظلامها على الأمة في الأعصر المتأخرة كانت كفيلة بأن ترعى تلك البذرة بالري كي تنمو وتزداد مع مرور الأيام، فكان لا يأتي عصر إلا وقد زادت البدعة بدعًا والظلام حلوكًا، وكان كل من يريد أن يجعل لنفسه موطئ قدم في هذا الفكر البدعي أضاف بدعًا، لتغدو هذه البدع ككرة الثلج المتدحرجة التي تبدأ أول الجبل صغيرة خفيفة لتصل نهايته ضخمة كبيرة، وإنك لتقرأ لبعض هؤلاء الغلاة فتجد العجب لدرجة أنك ربما لا تستطيع المواصلة لما تجد من ضلالات هي أقرب إلى الحماقات ومضادة الشرع، وليصبح هذا الغلو مجالا للمزايدات فكل من أراد تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب ظنه زاد على غيره وكل من أراد أن يصل إلى مرتبة الولاية والمعرفة اللدنية سحب من الصفات الإلهية وألقاها على رسول الله، وفي النهاية لا يصبح لهذا الغلو حدود يقف عنده، وبموجبه يزال الحاجز بين الخالق والمخلوق، أو أن يصبح الله عز وجل خالقا بلا خلق فليس له الأمر والنهي وكل متعلقات الألوهية والربوبية كما سيظهر هذا مما يأتي.
لغد غدا الغلو فلسفة ليس فقط في جانبه الكلامي بل والصوفي كذلك، ولم يسلم من هذه الفلسفة خير ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم ، وبدون حياء من البعض يتبنى مناهج فلسفية مغايرة تمام المغايرة لشرعه صلى الله عليه وسلم ولما جاء به لينزلها بعد ذلك عليه صلى الله عليه وسلم ومن المعلوم أن هناك تيارات عقدية اغترفت من العلوم والمعتقدات الفلسفية الآسنة والتي تنوعت بين إغريقية وفارسية وهندية وتمثلت في مدارس شتى مشائية وغنوصية وإشراقية وأفلوطنية محدثة وصاغتها صياغة توحي بإسلاميتها حيث استبدلت الأسماء الأجنبية بأخرى إسلامية، وسمت بعض تلك الجهالات بأسماء عربية لتخفي الأسماء الحقيقية وليبدو لمن لا يعلم أن ما قيل نابع من القرآن والسنة والحقيقة أن الأمر ليس كذلك.
وهنا أسوق هنا بعض الأمثلة على الغلو الممقوت والذي يتعارض مع الشرع الحنيف مهما حاول قائلوه أن يأسلموه فالماء والنار لا يجتمعان:
1-الحقيقة المحمدية:
يقول النبهاني وهو من المنظرين لهذا الفكر الغريب عن الأمة مبينا معنى هذا المصطلح الغريب عن عقيدة الأمة والذي ظهر متأخرًا تأثرًا بالفكر الوافد يقول:"اعلم أنه لما تعلقت إرادة الحق تعالى بإيجاد خلقه أبرز الحقيقة المحمدية من أنواره ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها...ثم ابجست منه صلى الله عليه وسلم عيون الأرواح فهو الجنس العالي على جميع الأجناس والأب الأكبر لجميع الموجودات" ( [83] ) .