ولكن ما الذي تظهره كل هذه الأحداث؟
ما السبب في أن أبناء وبنات الإسلام هؤلاء لم يُسَلّموا لنبيهم طاعة وتسليمًا فحسب، وإنما جعلوا أجسامهم وقلوبهم وأنفسهم فداه؟
ألم يكن إيمان أتباع محمد المباشرين واقتناعهم الشديد أرفع شهادة على صدقه واستغراقه التام في المهمة التي كلف بها؟
أتباعه من أحسن الناس عقلاً ومنزلة:
ولم يكن أصحابه من السفلة أو من ذوي العقليات المتدنية، بل الذين التفوا حوله في وقت مبكر نسبيًا هم أفضل وأشرف من في مكة، كانوا وجوه القوم وصفوتهم، رجال لهم مراكزهم ومكانتهم وثراءهم وثقافتهم من الأصحاب والأقارب الذي عرفوا أدق التفاصيل في حياته.
إن جميع الخلفاء الأربعة الأوائل بشخصياتهم الشامخة كانوا ممن اهتدى في هذه الفترة المبكرة.
تقول دائرة المعارف البريطانية:"إن محمدًا هو الأكثر نجاحًا وتوفيقًا من كل الأنبياء والشخصيات الدينية".
ولكن هذا النجاح لم يكن نتيجة مصادفة مجردة، لم يكن ثمرة أسقطتها الرياح؛ لقد كان اعترافًا بحقيقة أن معاصريه وجدوه ذو عزم صادق، وكان نتيجة لشخصيته التي تدعو إلى الإعجاب وتدفع بشدة إلى الانتباه.
الهوامش:
[1] من الآية 134 من سورة آل عمران.
[2] إن الحرب دفاعًا عن النفس أمر طبيعي ومشروع في كل عرف ودين، ويحلو لبعض المستشرقين وغيرهم ـ عند الكلام عن دواعي الحرب في الإسلام ـ الزعم بأن الإسلام جاء ليفرض على الجميع بحد السيف، وذلك لإظهار الإسلام بصورة زائفة مشوهة والصد عنه بإخفاء تعاليمه السمحة، أو القول بأن الإسلام انتشر بالسيف كمحاولة للنيل من عظمة الإسلام والتقليل من شأنه. وفريق آخر من المسلمين ومعهم بعض المستشرقين وربما بإيعاز ووحي منهم أو تأثرًا بهم في محاولة منهم لإظهار ما يسمونه"الوجه الحضاري للإسلام" (كأن للإسلام وجهًا آخر ليس كذلك) ، أو إرضاءً لدعاوى تفريغ الإسلام من مضمونه وتزييف حقائقه وتمسكًا منهم بأحاديث ضعيفة وربما موضوعة مما ينسبونه للرسول صلى الله عليه وسلم من قول:"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". ويفسرون الجهاد الأصغر بأنه القتال في سبيل الله، والجهاد الأكبر بأنه جميع أركان وفرائض وفضائل الإسلام ما عدا القتال في سبيل الله!
إن القول بأن الإسلام انتشر بالسيف بمعنى أن الناس أكرهوا على اعتناقه هو غلط شنيع، كما أن القول بأن الإسلام لم يرفع سيفًا في نشره هو أيضًا خطأ جسيم؛ فإن الإسلام يشرع استخدام السيف في مرحلة متأخرة عند منع تبليغ الإسلام سلمًا. إذن فالإسلام شرع القتال عند الامتناع عن دفع الجزية، أو الوقوف حائلاً دون نشر الدين، فضلاً عن شرعه للدفاع عن النفس. (المترجم)
[3] أهماج: جمع همج، وهم الرعاع من الناس لا نظام لهم. (المعجم الوسيط) .
[4] يشير المؤلف هناك إلى صلاة الخوف التي صلاها الرسول صلى الله عليه وسلم بالمسلمين في ساحة القتال استجابة لأمر ربه وبالكيفية التي علمها له ربه حيث يقول في كتابه العزيز: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا، وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 101، 102] (المترجم) .
[5] انظر كتاب:"زاد المعاد في هدي خير العباد"لابن قيم الجوزية، طبعة 1400هـ ـ 1980م، نشر المكتبة التوفيقية بالحسين، م1 حـ2 ص 165. (المترجم)
[6] يقول الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] ، ويقول تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103] ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"المسلم أخو المسلم"، ويقول أيضًا:"وكونوا عباد الله إخوانًا" (الأحاديث بمعانيها) .