ثم قلت قد نال الرحيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له فقلت هذا الطلب قلد لحقنا يا رسول الله فقال:"لا تحزن إن الله معنا"فلما دنا منا فكان بيننا وبينه قيد رمحين أو ثلاثة قلت هذا الطلب يا رسول الله قد لحقنا وبكيت قال لم تبكي قلت أما والله ما على نفسي أبكي يا رسول الله ولكن أبكي عليك فقال رسول الله:"اللهم اكفناه بما شئت"فساخت فرسه في الأرض إلى بطنها فوثب عنها ثم قال يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه فو الله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي خذ سهما منها فإنك ستمر على إبلي وغنمي بمكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا حاجة لنا في إبلك"... فانطلق راجعا إلى أصحابه.
قال الإمام رحمه الله الرحل للناقة بمنزلة السرج للفرس أظهرنا دخلنا في وقت الظهر وقائم الظهر وقت الزوال أنفض ما حولي أي أنظر هل أرى أحد اعتقل شاة أي أمسك رجلها وكثبة من لبن أي كثرة رويت ملأت هذا الطلب أي الطالب يقع على الواحد والجمع فساخت فرسه أي دخل يداها ورجلاها في الأرض لأعمين لأخفين..
وقال ابن كثير في البداية والنهاية:
قال ابن شهاب فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك ابن جعشم يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال: يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدًا وأصحابه, قال سراقة: فعرفت أنهم هم فقلت له: إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها علي وأخذت رمحي فخرجت من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها ففرت بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصبت الأزلام فجعل فرسي يقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت, وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها فأهويت ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت الأزلام فخرج الذي اكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرداني ولم يسألاني إلا أن قالا أخف عنا فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر ابن فهيره فكتب لي رقعة من أدم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن أبيه عن عمه سراقة فذكر هذه القصة إلا أنه ذكر أنه استقسم بالأزلام أول ما خرج من منزله فخرج السهم الذي يكره لا يضره وذكر أنه عثر به فرسه أربع مرات وكل ذلك يستقسم بالأزلام ويخرج الذي يكره لا يضره حتى ناداهم بالأمان وسأل أن يكتب له كتابا يكون أمارة ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فكتب لي كتابا في عظم أو رقعة أو خرقة وذكر أنه جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة مرجعه من الطائف فقال له يوم وفاء وبر أدنه فدنوت منه وأسلمت قال ابن هشام هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم وهذا الذي قاله جيد.
ولما رجع سراقة جعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده وقال كفيتم هذا الوجه فلما ظهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصل إلى المدينة جعل سراقة يقص على الناس ما رأى وما شاهد من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما كان من قضية جواده واشتهر هذا عنه فخاف رؤساء قريش معرته وخشوا أن يكون ذلك سببًا لإسلام كثير منهم وكان سراقة أمير بني مدلج ورئيسهم فكتب أبو جهل لعنه الله إليهم.
بني مدلج إني أخاف سفيهكم * سراقة مستغو لنصر محمد
عليكم به ألا يفرق جمعكم * فيصبح شتى بعد عز وسؤدد
قال فقال سراقة بن مالك يجيب أبا جهل في قوله هذا:
أبا حكم والله لو كنت شاهدا * لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
عجيب ولم تشكك بأن محمدا * رسول وبرهان فمن ذا يقاومه
عليك فكف القوم عنه فإنني * أخال لنا يوما ستبدو معالمه
بأمر تود النصر فيه فإنهم * وإن جميع الناس طرا مسالمه
وذكر هذا الشعر الأموي في مغازيه بسنده عن أبي إسحاق وقد رواه أبو نعيم بسنده من طريق زياد عن ابن إسحاق وزاد في شعر أبي جهل أبياتا تتضمن كفرًا بليغًا
و قال الصفدي في الوافي بالوفيات