ولو راجعنا السيرة لوجدنا أن المستهزئين كانوا كثيرين. فأما"أبو لهب"فقد بشره الله بالهلاك في الدنيا والخلود في النار بالآخرة. فأصيب أبو لهب بمرض مات فيه شر ميتة، ولم يقدروا على تغسيله لشدَّة الرائحة الكريهة التي كانت تخرج من جسده الذي ينسلخ ويتساقط. وأبو جهل قتل في بدر، والنضر ابن الحارث أُسِرَ في بدر وأمر الرسول بضرب عنقه. والأسود بن يغوث أصابته السموم ومرض الأكلة، فامتلأ جسمه قيحًا فمات شرَّ ميتة. والحارث بن قيس السهمي مات بالذبحة. وأُبيّ بن خلف وأميَّة بن خلف كانا من أشدِّ من آذى رسول الله وعداوة له واستهزاء به، فهلك أمية في بدر وأُبيّ في أُحد. وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة هلك على يد حمزة رضي الله عنه. والعاص بن وائل السهمي، فقد هلك هذا المشرك في مكة بلدغة حيَّة في رجله فانتفخت رجله حتى مات. وكذلك نَبِيْه ومُنَبِّه ابنا الحجاج السَّهميَّان، والأسود بن المطلب ابن أسد، وطعيمة بن عديّ بن نوفل، ومالك بن الطلاطلة بن عمرو بن غبشان، وركانة بن عبد يزيد، والوليد ابن المغيرة (2) . وحشد من اليهود والمشركين، ردَّ الله استهزاءَهم ومكرهم على أنفسهم وباؤوا بخسران في الدنيا والآخرة. وذهب ذكرهم وطُوي، وظلَّ محمد يشرق مع الدهر ذكرًا حميدًا في السماء وحميدًا في الدنيا:
أَيُّها المصطفى! تَفَرَّدْتَ في الخَلْ
قِ نَبِيًّا عُلاَك أُفْقٌ فَرِيدُ
أَنْتَ مَعْنَى الوَفَاءِ: ذِكْرُكَ في الأَرْ
ضِ حميدٌ وفي السَّماءِ حَميدُ (3)
وظلَّ أعداء محمد هم أعداء الدين الحق، ظلُّوا ممتدّين مع الزمن يكيدون ويستهزئون، ويُرَدُّ كيدهم إلى نحورهم، وهم دائمًا: الكافرون والمشركون والمنافقون واليهود وفريق من النصارى، حيث ما زال منهم من يؤمن بهذا الدين:
وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى"بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون 112 {الأنعام: 112} ."
إنها سنَّة من سنن الله !
ولقد اجتمعت هذه الخصائص والسمات الفريدة في محمد وهو يشقُّ طريقه بين أعداء مجرمين وبين عناية من ربِّ العالمين، ولكنه مع كلِّ ذلك ظلَّ رحمةً للعالمين، رحمةً بأصحابه المؤمنين ورحمةً للبشريَّة على مرِّ القرون، ما دام المؤمنون يُبلِّغون رسالة ربِّهم إلى الناس كافَّة، ليخرجوهم من الظلمات إلى النور:
وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين 107 {الأنبياء: 107} .
يهدي به الله من \تبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم 16 {المائدة: 16} .
3-ثناء الشعراء المؤمنين على مرِّ العصور:
وقد عرف المؤمنون رسولهم ونبيُّهم محمدًا ، وأصبح حُبّه جزءًا رئيسًا من الإيمان، ليكون حُبُّ الله ورسوله الحبَّ الأكبر في حياة المؤمن، ومنه ينبع كلُّ حبٍّ في الحياة الدنيا . ومن هذا الحب الصادق انطلق الشعراء المسلمون يمدحون رسول الله بقصائدهم الغنيَّة بالبيان والصدق والوفاء .
ولعلَّ أول من بدأ بمدح رسول الله من الشعراء الأعشى الكبير ميمون ابن قيس في قصيدته التي مطلعها (4) :
ألم تَغْتمِضْ عيناك ليلة أرمدا
وعادك ما عاد السليم المسهَّدا
وقد نظم القصيدة حين عزم على أن يسلم، وتوجَّه إلى النبيّ بهذه القصيدة، فصدَّته قريش لما خافت من أثر شعره في العرب، إذ كان يُسمَّى صنَّاجة العرب . ونجحت قريش في صدَّه فعاد إلى قريته، وفي طريق عودته رمى به بعيره إلى الأرض فمات، وذلك سنة 629م .
وقصة كعب بن زهير بن أبي سلمى رضي الله عنه، حين هجا الرسول ، ثمَّ تاب وتوجّه إلى الرسول الكريم بقصيدته الرائعة، وأعلن توبته بين يدي الرسول ، ثمَّ ألقى قصيدته التي مطلعها (4) :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ
مُتيمّ إثرها لم يُفْدَ مكبول
وإني لأعدُّ هذه القصيدة من روائع الأدب العالمي . وإني لا أرى كما يرى الكثيرون أنَّ مطلعها غزل وتشبيب كعادة العرب في الجاهلية، ولكني أرى أنَّ كعبًا يصف فيها رحلته من الجاهلية التي كان قد عشقها ثمَّ فارقها (بانت سعاد) إلى الإسلام والإيمان الذي دخل قلبه وملك حبّه (أمْستْ سعاد بأرضٍ لا يبلّغها: إلا العتاق النجيبات المراسيل) .
ثمَّ تتدافع الشعراء من أصحاب رسول الله يمدحون نبيّهم ورسولهم، ويدافعون عنه ويدفعون عنه أذى قريش وشعرائها . وكان من شعراء الصحابة عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وحسان بن ثابت رضي الله عنهم أجمعين . ولكن حسان بن ثابت كان أطولهم باعًا وأشدهم إيذاءً لقريش .
وكان وصف أم معبد لرسول الله حين مرَّ بخيمتها: