"رأيت رجلًا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبْه ثُعلة، ولم تُزْرِ به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي ضوئه صحل، وفي عنقه سطع، أحور، أكحل، أزج، أقرن، شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار، وإن تكلَّم علاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق لا نزر ولا هذر ....الخ" (5) . وقد وصفه عليٌّ بن أبي طالب في بيان رائع، وكذلك أنس بن مالك، وأبو جحيفة، والبراء، وجابر بن سمرة، وأبو هريرة، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
وقد توالى الشعراء المسلمون على مرِّ العصور يدفعون لآلئ قرائحهم وغنيّ بيانهم في مدح رسول الله ، حتى لا يكاد يخلو عصر من أحد منهم. وجاء الشعراء في العصر الحديث يبدعون في هذا المديح. وكان أولهم محمود سامي باشا البارودي في قصيدته:"كشف الغمة في مدح سيد الأمة"في أربعمائة وسبعة وأربعين بيتًا، وكذلك أحمد محرَّم في ديوانه مجد الإسلام، وشوقي في قصيدتيه البائية والهمزية، وعمر أبو ريشة في مقدمة ملحمته، وعدنان النحوي في قصيدته رسول الهدى في سبعة وأربعين بيتًا .
ولقد بيّنَّا في هذه الصفحات كيف أنَّ الله سبحانه وتعالى قد أثنى على عبده النبيّ الخاتم أعلى ثناء، وكيف مدحه عدد من أصحابه الشعراء وأخرسوا سفهاء قريش، وكيف وصفته أم معبد، وهي لم تره إلا مرّة واحدة ولفترة قصيرة، ولكنه أثر النبوّة المشرق الذي يؤثر في النفوس، ويزداد تأثيره كلما صفت النفوس وزادت إيمانًا. وأشرنا كذلك كيف وصفه بعض الصحابة كذلك وصفًا جامعًا يهزُّ النفوس.
4-النبيّ العظيم يصف نسبه ومنزلته عند الله:
وبالإضافة إلى ذلك كله، فقد عرَّفنا رسول الله بنسبه وكيف اختاره الله من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنا . فلننظر في قبسات من الأحاديث الشريفة حول ذلك:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال:"بُعثتُ من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى كنتُ من القرن الذي كنتُ منه" (6) .
عنه أيضًا عن الرسول أنه قال:"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشقُّ عنه القبر، وأول شافع وأول مشفّع" (7) وفي رواية أخرى عنه أيضًا في حديث طويل:"أنا سيد الناس يوم القيامة. وهل تدرون بِمَ ذلك ؟! يجمع الله الأولين والآخرين " (8) .
وعن المطلب بن أبي وداعة عن العباس عن الرسول أنه قال:"..أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله تعالى خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، وخلق القبائل، فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتًا، فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم بيتًا، وخيركم نفسًا" (9) .
والأحاديث الشريفة كثيرة حول هذا الموضوع، حيث يظهر فضل الله على خلقه جميعًا أن بعث فيهم محمدًا على أحسن هيئة خَلْقًا وخُلُقًا، وأحسنهم منبتًا .
5-الشعراء غير المسلمين يمدحون الرسول:
ولم يقتصر مديح الرسول على المسلمين، فقد قام عدد من الشعراء النصارى يمدحون رسول الله بقصائد غنيَّة تلمس فيها وضوح العاطفة وحقيقة الإكبار . ويبقى السؤال: فلماذا لم يسلموا ؟! ومن هؤلاء:"إلياس قنصل"، والشاعر القروي"رشيد سليم الخوري"، و"رشيد أيوب"، و"رياض المعلوف"، و"إلياس طعمة"الذي أسلم وجعل اسمه بعد إسلامه"وليد طعمة"! وكذلك سعيد جرجس العيسى الذي مدح رسول الله بقصيدة جميلة، والذي ذكر عيسى عليه السلام ومريم عليها السلام كما هما في القرآن الكريم، وأشاد بالتوحيد كما هو في كتاب الله . وقد دعوته ليعلن إسلامه، ولكنّه توفّي قبل أن أتلقَّى منه خبرًا .
6-الرسول في الكتب المنزلة:
ولدينا في كتاب الله القول الحق بأنَّ اسم محمد ثابت في التوراة والإنجيل:
وإذ قال عيسى \بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي \سمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين 6 {الصف: 6} .
ولم يقف الأمر عند عيسى عليه السلام وحده، وإنما امتدَّ إلى جميع الرسل، حيث أخذ الله عهدًا منهم جميعًا أن يؤمنوا بالنبيّ الخاتم وينصروه:
وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على"ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين 81 {آل عمران: 81} ."