وهل يُعقل أن يبعث الله لعباده بأديان مختلفة يتصارع الناس عليها، وهو الله الذي يريد لعباده جميعًا الإيمان الواحد الصادق، والذي جعل الجنَّة مأوى الصادقين والنار مأوى المكذّبين ! فلا بدَّ أن يكون الدين عند الله واحدًا، وأن يبعث جميع الأنبياء والمرسلين بدين واحد، حتى لا يناقض نبيٌّ نبيًَّا، فيختلط الأمر على الناس .
ونحن المسلمين نؤمن بالأنبياء والرسل جميعًا، وبالكتب المنزلة قبل تحريفها جميعًا . وأيّ إخلال بذلك هو إخلال بالإيمان والتوحيد . فلا نؤذي نبيًّا ورسولًا، ولا نفرّق بين أحد منهم:
آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير 285 {البقرة: 285} .
10-إيذاء رسول الله يجلب لعنة الله وغضبه:
فالاجتراء على نبيٍّ من الأنبياء اجتراء على الله، وإيذاء النبيّ هو إيذاء لله، يُنزل الله به غضبه ولعناته:
إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا 57 {الأحزاب: 57} .
ولقد وجد أهل الكتاب صادق الرعاية والرحمة في ظلال حكم الله ورسوله، حكم الكتاب والسنَّة، ولقد أحسن محمد إليهم إحسانًا كبيرًا، وكذلك فعل المؤمنون .
فما بال بعض النصارى، أو المنتسبين إلى دين عيسى عليه السلام، بعد أن حرَّفوه وبدَّلوا وغيَّروا، ما بالهم يحملون الأحقاد على الإسلام والمسلمين، وعلى رسول الله . فلا تكاد تهدأ فتنة حتى تثور فتنة. وقد نبَّأنا الله في كتابه الحكيم أنه قد جعل لكل نبيّ عدوًّا من المجرمين، من شياطين الإنس والجن . وقد بدأت العداوة لمحمد من لحظة ابتعاثه من قريش وبعد ذلك من اليهود، ثمَّ امتدَّ الحقد مع الزمن حتى تولَّى كبر ذلك: المشركون والكافرون والمنافقون والظالمون من أهل الكتاب في إيذاء بعد إيذاء عبر التاريخ، حتى الحروب الصليبية، وحتى ظلمهم وعدوانهم على مسلمي الأندلس، و كلما واتت فرصة لذلك !
وجاءت الحادثة الأخيرة عندما نشرت إحدى صحف الدنمارك صورًا مهينة ومؤذية لرسول الله . واعتبرت الدولة أنَّ هذا من باب حريّة الرأي!، وكأنَّها اعتبرت الناس بلا عقول حتى يصدّقوا أنَّ هذا من باب حريّة الرأي . وإن كان الأمر كذلك فعلى دولة الدنمارك أن تراجع قوانينها، وأن تتعلَّم من الإسلام، ومن محمد ، حدود حريّة الرأي، وأدب الرأي، وحقوق الإنسان . ثمَّ تولّت صحيفة نرويجية نشر تلك الصور أيضًا، وفي بلادهم جميعًا مسلمون أقاموا عشرات السنين، ما قدَّموا إلا الخير والإحسان .
لم يكن الأمر مصادفة أو زلّة رسَّام! فلقد أرسل المحرّر الثقافي في الجريدة دعواتٍ إلى أربعين رسَّامًا يدعوهم إلى رسم النبيّ ، فأجاب الدعوة اثنا عشر رسامًا فقط. وكانت ملكة الدنمارك"مارغاريت"الثانية، قد اعتبرت أنَّ الإسلام يمثّل تهديدًا على المستويين المحلي والدولي، وحثَّت حكومتها على عدم التسامح مع المسلمين والإسلام! ودون مبالاة لما قد تثير هذه السياسة من غضب خارجي! إنها لغة التهديد والإثارة بكل الاعتبارات اللغوية والسياسية والرسمية. ويرفض رئيس وزراء الدنمارك مقابلة السفراء المسلمين الرسميين في بلده . وتتولى أجهزة الدولة والصحافة صياغة المسوِّغات لهذا العمل، فكانت الأعذار أقبح من الذنب . عدوان إثر عدوان . وكان أوقح ما في هذه الأساليب قول الصحيفة:"إننا لا نعتذر عن عمل هو جزء طبيعي من النشاط الإعلامي....". الصحيفة الدنماركية هي صحيفة"يولاند بوستن"، والصحيفة النرويجية هي:"مغازينات"! وكذلك امتدَّت الهجمة على الإسلام بإعادة إذاعة هذه الصور الكاذبة في صحف فرنسا وإسبانيا وألمانيا وسويسرا. وربما تمتدُّ الهجمة إلى أبعد من ذلك .
ولا ننسى ذلك المخرج الهولندي الذي أخرج فيلمًا مسيئًا إلى الرسول الكريم وإلى الإسلام، والذي أثار ضجّة كبيرة . ولا ننسى كذلك قضية المؤسسة التي أصدرت كتابًا أسمته"الفرقان"تزوّر فيه جملًا وكلمات تحريفًا لآيات الله في القرآن الكريم، وطعنًا في الإسلام والإيمان والتوحيد . يضاف إلى ذلك جهود الحركات التنصيرية في العالم الإسلامي، وما تقوم به من محاولات لصرف المسلمين عن دينهم، وتشويه صورة الإسلام، وإثارة الفتن !
إنَّ هذا كلّه ليدلّ دلالة واضحة على أنَّ القوم يمضون على نهج وخطة وليس على عمل ارتجالي . ولا بدَّ للمسلمين أن يجابهوا ذلك بعمل منهجي مدروس يجمع جهود الأمة كلها.
11-واجب المؤمنين أمام هذا الاعتداء والنصيحة الواجبة:
القضيّة قديمة، بدأت، كما تذكر بعض الصحف، قبل ثلاثة أشهر، واشتدَّ التفاعل ضدّ هذه الإهانة الكبيرة منذ أسبوع أو أسبوعين . وإن كان قد بدأت محاولات هادئة لا تتناسب مع عظم الجريمة . إنها حقًا جريمة، وجريمة كبيرة في ميزان الإسلام . أين المسلمون ؟! وأين المليار من المسلمين ؟!
أُمة الحقِّ ! ما دهاكِ فأصْبح
تِ شظايا تطايرتْ في النجادِ