فهرس الكتاب

الصفحة 2267 من 3657

فلما انفتحت النوافذ وجاء الهواء لم نستطع أن نتعايش مع الفكر الحديث، وبادرنا برفضه، على سبيل المثال انظر ما حصل في أفغانستان في التسعينات ، خرب البلد على يد مجاهدين، لماذا؟ لأنهم لو اتفقوا على الديمقراطية كآليات لحسم خلافاتهم لرجعوا للشعب الأفغاني واحتكموا له، ومن يرضى به الشعب يُقبل، ولكن هؤلاء كثير من مشايخهم يرفضون الديمقراطية لأنها حرام -بزعمهم- وأن الشعب ليس محل ثقة، ويقولون بنظام يتخيلونه واضحاً، ولكنها مجرد أسماء: يقولون نظام أهل الحل والعقد، من هم أهل أحل والعقد؟ كيف نختارهم؟ هؤلاء كانوا واضحين في مجتمع صغير كمجتمع المدينة، كيف نتوصل إليهم اليوم دون ممارسة الآليات الحديثة، آليات الديمقراطية في الانتخاب؟ فخرب البلد رغم أنهم قد يكونون صالحين ومجاهدين، لكنهم ورثوا هذا التخلف في فقهنا السياسي، فلم يتوفقوا إلى آليات لحسم خلافاتهم

في الحركة الإسلامية جوانب كثيرة للتجديد ، فالإسلام أقر مبدأ الشورى، وأمرنا ألا يقرر الفرد ولاالنخبة المستبدة في القضايا الكبرى ، وإنما الأمة كلها تُشارك في صناعة القرار.

فكرة المشاركة هذه فكرة أساسية جاء بها الإسلام، وأظن أن غيابها وإقصاء الأمة عن شأنها واستبداد الأفراد بالمجموع هو الذي أنهك حضارتنا وأسلمها إلى الانهيار، على حين توفق الغرب في أن يحول شورانا هذه- مبدأ الشورى المبدأ العظيم- أن يجعل له آليات تجعل من الشورى نظاماً يحقق التداول على السلطة، ويحقق الأمن من الجور، ويعطي للناس للشعب وسائل الضغط على الحكام، ويعطي وسائل النصح والتغيير، وبالتالي أمِن الغرب من الاستبداد، وبقينا نحن المسلمين لا أمل لنا في نصح حكامنا- فضلاً عن تغييرهم- إلا أن ننتظر زيارة ملك الموت لمستبد أو إعلان دبابة في الهزيع الأخير من الليل، وهذه كارثة على الحاكم والمحكوم بصراحة.

ويرى بعض المفكرين أن الابتعاد عن الديمقراطية يؤثر على الدور الرسالي للإسلام حيث يقول مراد هوفمان: إذا لم يتمكن العالم الإسلامي من تأكيد العنصر الديمقراطي الأصيل الكامن في تكوينه، وسيترتب على ذلك أن المسلمين لن يتمكنوا من تحقيق وتطوير إمكاناتهم في شتى المجالات: الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، وسيعقب ذلك تخلفه وعجزه السياسي.

الشورى واجب إسلامي

أوجب الإسلام الشورى، الحاكم يجب أن يستشير الناس ولا يستبد بالرأي، والشورى كما قال الإمام ابن عطية في تفسيره:"من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ومن لا يستشير أهل العلم والدين من الأمراء فعزله واجب، وهذا ما لا خلاف فيه".

وبين الدكتور البوطي أن الشورى تمتاز عن الديمقراطية بأنها"واجب في الوقت ذاته، كلف الله به الأمة، وحمل سائر أفرادها مختلف تبعاته.."وأوضح أن الشورى الشرعية أو التشريعية تعتبر"عبادة تعاونية محضة يبتغى منها الوصول إلى مرضاة الله".

و يقول الدكتور يوسف القرضاوي:إن الإسلام أقام الحياة السياسية على مبدأ الشورى، وهو مقرر في القرآن الكريم بقوله تعالى في وصف مجتمع المؤمنين (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) هذا في القرآن المكي، وفي القرآن المدني قال الله تعالى لرسوله (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) وإذا كان الرسول مأموراً بالمشاورة فغيره أولى بأن يشاور يعني قطعاً، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر الناس مشاورة، كما جاء في صحيح البخاري، أكثر الناس مشاورة لأصحابه، هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يعني معروف، شاور في غزوة بدر ، وشاور في غزوة أحد، وشاور في غزوة الخندق، وكثيراً ما نزل عن رأيه إلى رأي أصحابه.

في غزوة بدر شاور قبل الغزوة، وشاور في أثناء الغزوة، وشاور بعد الغزوة في مسألة الأسرى، في غزوة أحد شاور أيضاً الصحابة في الخروج إلى المشركين أم البقاء في المدينة، وكان رأيه ورأي كبار الصحابة أن يبقوا في المدينة، ولكن الشباب وهم جمهور الناس رفضوا ذلك، وقالوا: يعني ما دخل علينا فيها في الجاهلية. أفي الإسلام يدخلون علينا؟! وأبوا إلا أن يخرجوا، فنزل على رأيهم، في غزوة الخندق أيضاً استشار السعود: سعد بن معاذ، وسعد بن الربيع، وسعد بن خيثمة، وسعد بن مسعود من الأنصار حينما عرض عليه قبيلة غطفان أن يأخذوا ثلث ثمار المدينة أو نصف ثمار المدينة ويرجعوا وينفضوا عن قريش، وعرض الرسول عليهم هذا، وقال لهم: إن العرب رمتكم عن قوس واحدة، فلا مانع إن إحنا نقسم المهاجمين بأننا نصالح بعضهم وأن نتفرغ للبعض، ولكن هؤلاء السعود وهم يمثلون الأنصار رفضوا ذلك قالوا ما أخذوا منا تمرة في الجاهلية بعد أن أعزنا الله بالإسلام يأخذون منا؟ رفضوا ونزل النبي -صلى الله عليه وسلم- على رأيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت