مما سرى في المسلمين في هذا العصر وما سبقه من الأعصار من التشبه بالكفار ، التشبه بالنصارى في عمل ما يسمى بالاحتفال بالمولد النبوي ، يحتفل جهلة المسلمين أو العلماء المضلين في ربيع الأول من كل سنة بمناسبة مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، فمنهم من يقيم هذا الاحتفال في المساجد ومنهم من يقيمه في البيوت أو الأمكنة المعدة لذلك ويحضره جموع كثيرة من دهماء الناس وعوامهم ، يعملون ذلك تشبهاً بالنصارى في ابتداعهم الاحتفال بمولد المسيح عليه السلام . ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ، وهى العلم النافع والعمل الصالح ، ولم يقبضه إليه حتى أكمل له ولأمته الدين وأتم عليهم النعمة كما قال سبحانه وتعالى: [ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ] "المائدة3"فبين الله سبحانه وتعالى بهذه الآية الكريمة أن الدين قد كمل والنعمة قد أتمت ، فمن زعم أن يُحدث حدثاً يزعم أنه مشروع وأنه ينبغي للناس أن يهتموا به ويعملوا به فلازم قوله أن الدين ليس بكامل بل هو محتاج إلى مزيد وتكميل ، ولا شك أن ذلك باطل ، بل من أعظم الفرية على الله سبحانه والمصادمة لهذه الآية الكريمة ، ولو كان الاحتفال بيوم المولد النبوي مشروعاً لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته لأنه أنصح الناس لهم ، وليس بعده نبي يبين ما سكت عنه من حقه ، لأنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ، وقد أبان للناس ما يجب له من الحق كمحبته واتباع شريعته والصلاة والسلام عليه وغير ذلك من حقوقه الموضحة في الكتاب والسنة ولم يذكر لأمته أن الاحتفال بيوم مولده أمر مشروع حتى يعملوا بذلك ولم يفعله صلى الله عليه وسلم طيلة حياته ، ثم الصحابة رضي الله عنهم أحب الناس له وأعلمهم بحقوقه لم يحتفلوا بهذا اليوم لا الخلفاء الراشدون ولا غيرهم ، ثم التابعون لهم بإحسان في القرون الثلاثة المفضلة لم يحتفلوا بهذا اليوم .
أفتظن أن هولاء كلهم جهلوا حقه أو قصروا فيه حتى جاء المتأخرون فأبانوا هذا النقص وكملوا هذا الحق ؟ لا والله ، ولن يقول هذا عاقل يعرف حال الصحابة وأتباعهم بإحسان .
وإذا عُلم أن الاحتفال بيوم المولد النبوي لم يكن موجوداً في عهده صلى الله عليه وسلم ولا في عهد أصحابه الكرام ولا في عهد أتباعهم في الصدر الأول ، ولا كان معروفاً عندهم . عُلم أن ذلك بدعه محدثة في دين الله لا يجوز فعلها ولا إقرارها ولا الدعوة إليها ، بل يجب إنكارها والتحذير منها عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة: { خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة } ، وقوله عليه الصلاة والسلام: { عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة } ، وقوله عليه الصلاة والسلام: { من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد } ، وقوله صلى الله عليه وسلم: { من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد } ، فكل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو رد ومردود على صاحبه وعليه النكال وله الويل من الخالق سبحانه ، فمن كان عمله خارجاً عن الشرع المطهر وليس متقيداً به فهو مردود ولا يزيد صاحبه إلا بُعداً عن الله تعالى ، ولا يزيده إلا مقتاً وخساراً ، ويذهب ذلك العمل هباءً منثوراً لمخالفته الواضحة لدين الله تعالى ، والله جل وعلا قد تكفل بدينه وحفظه: [ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ] "الحجر9".
فمن شرع لأولئك الفئام من الناس هذا الدين الذي ابتدعوه ؟ أهو الهوى ؟ أم الشيطان ؟ أم لهم شركاء وآلهة أخرى غير الله تُشرع لهم ديناً غير دين الله تعالى فتُحلل وتُحرم لهم ؟
قال تعالى: [ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ] "الشورى 21"، وقد ختم الله جل وعلا هذه الآية بقوله: [ وإن الظالمين لهم عذاب أليم ] ، فهؤلاء ظلمة ، ظلمة لأنفسهم ، ظلمة لدينهم ، ظلمة لا خوانهم المسلمين الذين يأتون من بعدهم ، ويجدون تلك البدع والخرافات ، والأهواء والمنكرات ؟ فإن الله جلت قدرته قد حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرماً .
فمن أشد الظلم وأقبحه وأشنعه أن يتعدى الإنسان على ربه ، بأن يُشرّع للناس عبادة لم يأذن بها الله عز وجل ، ليحذر أولئك من شديد عقابه ، وأليم عذابه ، فالنبي صلى الله عليه وسلم ترك هذه الأمة على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، وقد أوضح صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة قبل موته عليه الصلاة والسلام أنه ترك فيها ما إن تمسكت به فلن تَضل أبداً ، كتاب الله عز وجل وسنته صلى الله عليه وسلم ، فمن أراد أن يزيد في الدين ما ليس منه ، فالدين بريء منه وزيادته مردودة عليه ، وهو مأزور غير مأجور آثم ببدعته تلك .