فهرس الكتاب

الصفحة 2310 من 3657

ومع هذا تجد أحيانا هذه التعاريف مطاطة عامة لا تستطيع أن تمسكها، فإذا ما جئتها من طرف فرت عليك من طرف آخر، وكمثال على هذا يعرف بعضهم البدعة بأنها"إحداث ما لم يكن في عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم -" [4] فترى أن هذا التعريف واسع يشمل كل ما لم يكن في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم - سواء كان في إطار التعبدات أو العادات، وهكذا تجد الكثير من التعاريف، يرد عليها هذا الإشكال ولهذا تفادا أصحاب التعريف السابق ما قدر يرد على تعريفهم من إشكالات بأن قسموا البدعة إلى: بدعة حسنة وأخرى سيئة، وقسمها آخرون كالعز بن عبد السلام وتبعه كثيرون إلى الأحكام الخمسة: واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة، ولكن يرد هذا التقسيم حديث:"كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" [5] ومن المعلوم أصوليا أن (كل) من ألفاظ العموم وأضيفت إلى نكرة فتعم كل بدعة، ولهذا فتقسيم البدعة على هذا الشكل يتناقض تماما والنص النبوي.

والصواب أن البدعة لها إطلاقان الأول لغوي والثاني شرعي ، فأما الإطلاق اللغوي فتعني البدعة إحداث ما ليس له مثال سابق وفي هذا الإطار يدخل تعريف العز ونحو قول عمر رضي الله عنه بشأن التراويح: نعمت البدعة هذه، مراده البدعة بالمعنى اللغوي للبدعة لا المعنى الاصطلاحي.

فالبدعة بالمعنى اللغوي تشمل ما كان دنيويا كاختراع الكهرباء والسيارات والطائرات، إذ كلها أحدثت على غير مثال سابق.

كما يدخل ضمنها المصالح المرسلة كجمع القرآن وتدوين العلوم وبناء المدارس والأربطة ونحوها.

أما المعنى الاصطلاحي للبدعة فالذي نرتضيه إلى حد كبير هو تعريف الإمام الشاطبي في كتابه القيم الاعتصام والذي عرف البدعة بأنها"طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الطريقة الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية" [6] فيخرج بهذا التعريف ما كان دنيويا وما كان مصلحة مرسلة.

بقيت نقطة أود توضيحها لها تعلق بموضوع البدعة ويحتج بها البعض في تجويز واستحباب بدعة ما وهو قولهم: إن له أصلا في السنة كما فعل بعضهم في مسألة المولد بأن قال إنه خرجه على أصل ثابت في الصحيحين من أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى فنحن نصومه شكرا لله تعالى" [7] ."

ويكفي في الرد على هذا أن نذكر قصة عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -لما جاء إلى أولئك القوم المتحلقين في المسجد، ومعهم حصى، يعدون بها التكبير والتهليل والتسبيح، فقال لهم - رضي الله عنه:"فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامنٌ أن لا يضيع من حسناتكم شيءٌ، ويحكم يا أمة محمدٍ! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - متوافرونَ، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى ملةٍ أهدى مِن ملةٍ محمدٍ أو مفتتحو باب ضلالةٍ."

قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن؛ ما أردنا إلا الخير.

قال: وكم من مريدٍ للخيرِ لن يصيبه" [8] "

فرغم أن الشارع قد حث على الذكر ورغب فيه ووردت فيه الكثير من الأدلة الصحيحة والصريحة بما لم يرد شيء منه في المولد ومع هذا فقد وصفهم ابن مسعود بأنهم لم يصيبوا الخير، وهذا دليل واضح في المسألة.

ارتكبت الكثير من البدع ونَفَذَت العديد من الخرافات، تحت عنوان له أصل في السنة مع أن ما زعموه أصلا لا يتفق مع ما يفعلوه، كم أنه لو لم يكن إلا تعارض حديث (كل بدعة ضلالة) والذي يدل على التحريم والأصل الذي يذكرونه لكان الأخذ بالتحريم هو الصواب وهو ما ذكره العلماء في التعارض من علم الأصول، هذا إذا تنزلنا وقلنا بوجود تعارض وإلا فالأمر ليس كذلك بتاتا.

إن البدعة تعني الاستدراك على الشارع بتشريع ما لم يشرعه والله يقول: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً } ]المائدة:3 [ فدين الله كامل لا يحتاج إلى زيادة، ويكفينا أثر ابن مسعود - رضي الله عنه -حيث قال:"اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة"[9] .

3-تصوير زائف:

يحاول البعض تصوير الخلاف بين من يحرمون الاحتفال بالمولد والمجيزين له بأنه خلاف بين من يحب النبي- صلى الله عليه وسلم - ومن لا يحبه بل تأخذ بعضهم فورة الغضب فيقول: إن بين القوم -أي المحرمين لهذه البدعة- والنبي- صلى الله عليه وسلم - شيء وأن غرضهم إنما هو نزع محبة النبي- صلى الله عليه وسلم - من القلوب!!! ولست أدري هل كان بين خير القرون ورسول الله- صلى الله عليه وسلم -شيء، وهل أراد سلف الأمة بعدم احتفاله نزع محبة النبي- صلى الله عليه وسلم - من القلوب.

أقول يؤخذ على هذا التصوير وتبعاته الكلامية مآخذ:

أ - ليس من أدب الخلاف أن نرمي الآخر بمثل هذا الكلام الذي لا يمت إلى الموضوع بصلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت