قد يجاب عن هذا بأن النبي- صلى الله عليه وسلم - كان يعلم أصحابه وأن التدريس الآن ما هو إلا ترتيب وتنظيم ولكن سيقال بأن هذا الكلام مثله مثل قولنا: له أصل، وهذا مما عبتموه علينا فكيف تقولون به الآن، كما أننا نفعل ذلك إذ المولد ليس إلا ترتيب وتنظيم.
الثاني: إن الموالد الآن لا تقتصر على ما هو مندوب ومرغب فيه بل اشتملت على جملة من البدع، منها ما هو أصلي ومنها ما هو إضافي، زد على ذلك ما قد يصاحبه من المعاصي .
وقبل أن يعترض أحدهم فيقول بعدم وجود معاصي وآثام مما ذكره الكثير من العلماء أسارع بالقول إن طقوس الاحتفال بالمولد لا تمضي عل شكل ونسق واحد في كافة المناطق والطرق التي تعمله بل يختلف ويتفاوت بحسب لأسباب كالجهل والبعد كما في بلاد العجم وبعيدا عن نقل كلام الفقهاء كالشيخ ابن تيمية وابن الحاج وغيرهما ممن ذكروا وقوع الكثير من المعاصي وهم مصدقون إلا أن المشاهدات الواقعية الحية ووسائل الاتصال الحديثة لا تدع مجالا لمكذب، إذ يصبح المولد عند بعضهم وخاصة بلاد العجم مرتعا للفسق وانتهاك الحرمات والإغراق في البدع الإلحادية في أحيان كثيرة، كما يصبح مباءة للفسقة والسحرة والذين يضحكون على بعض العامة وهم كثر باسم الولاية وبركة المولد فينتهكون حرماتهم وشرفهم، ويسود الاختلاط بل ترى رقص النساء كاشفات عن أجزاء من أجسامهن أمام ومع الرجال إما تحت مسمى الوجد أو التعبد وإظهار الذل والانكسار وطلبا للشفاعة، وكم من مآسي ترتكب باسم المولد الذي ليس من الدين لا في ورد ولا صدر.
هذه الأعمال وغيرها يستصحبها الفقيه عندما ينزل عليها الحكم الشرعي وهذا ما حدث للمحرمين فعندما وجدوا ما يحدث في هذه الموالد من البدع والفجور، حكموا بحرمتها.
في حين يرى بعض من لا يجيز ما سبق ويستنكره أن نفصل بين حكم المولد وما يحدث فيه من بدع فنجيز المولد ونحرم البدع، وكون المولد قد احتوى على ضلالات لا يعني هذا البتة تحريمه .
والصحيح أن المحرمين لم يكن دليهم الوحيد هو سد الذريعة أو بسبب ما يحدث في المولد من مخالفات فقط بل لأدلة وأسباب أخرى كذلك كما سبق بيانه، ومع هذا فمن نافلة القول هنا أن نذكر أن نظرة المحرمين تتفق ونظرة الإمام مالك في سد الذريعة بخلاف نظرة المجيزين في بالفصل بين جواز المولد وحرمة ما قد يقع فيه وأننا نجيز المولد وننهى عن المخالفات والتي هي نظرة الإمام الشافعي، ولكن كما قلت هذه نظرة أو قاعدة المذهبين في مسألة سد الذريعة، لكن الجميع لم يقولوا بجواز المولد بل كانوا متفقين على نبذ البدع.
كما أن المولد قد ارتبط بالبدع لدرجة يصعب الفصل بينه وبين المخالفات الواقعة فيه إذ إن البعض لا يعتبر المولد مولدا مقبولا!! إلا بما يحدث فيه من ضلالات.
الترجيح:
أولاً: أود أن أسجل هنا جملة ملاحظات على استدلالات المجيزين وهي كما يلي:
1.أنه مع كثرة الأدلة التي ساقها المجيزون للتدليل على جواز بل واستحباب الاحتفال بالمولد النبوي إلا أن كل استدلال لا يخلو من انتقاد وجيه.
2.أن كل ما استدلوا به من الأدلة القرآنية والحديثية لا تفيد ندب الاحتفال بالمولد النبوي فكلها خارج محل النزاع.
3.أن بعض الأحاديث النبوية التي استدلوا بها ضعيفة جدا مما لا يصح أن يحتج به.
4.فيه محاولة مستميتة لإثبات الاحتفال بأي وجه ولو كان عن طريق لي معاني النصوص أو الاستدلال بما لا يصح الاستدلال به أو رفع درجة بعض الأحاديث الواهية إلى درجة الضعيفة ممن ليس لهم خبرة في الحديث وعلومه، رغم أنها كذلك لا تفيد المراد وهذا مما يحزن فبدلا من النظر في الأدلة ثم إطلاق الحكم على المولد حدث العكس إذ نظر إلى المولد أولا باعتباره مشروعا بل ومندوبا بل غالى بعضهم ممن ليس له حصيلة علمية كبيرة فجعله واجبا ثم راحوا يبحثون عن أدلة لهذا الحكم.
ثانيا: تحديد ولادة النبي- صلى الله عليه وسلم:
يقام الاحتفال بالمولد النبوي في الثاني عشر من ربيع الثاني باعتبار أنه يوم ولادته- صلى الله عليه وسلم - ونحن إذا ما بحثنا عن حقيقة هذا التاريخ نجد أنه لا يوجد نص نبوي يدل على هذا التاريخ، فلم يتكلم النبي- صلى الله عليه وسلم - البتة عن تاريخ ميلاده بل الذي ورد أنه ولد في يوم إثنين أما ما وراء ذلك من التحديديات فلا تصح.
ثم إذا ما فتشنا كتب السيرة النبوية محاولين معرفة تاريخ مولده سنجد أن كتاب السيرة يختلفون حوله إلى أقول هي كما يلي:
-يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول.
-ثامن ربيع الأول.
-عاشر ربيع الأول.
-ثاني عشر ربيع الأول.
-قال الزبير بن بكار: ولد في رمضان.
و ذلك عام الفيل بعده بخمسين يوما و قيل بثمانية و خمسين يوما و قيل بعده بعشر سنين و قيل: بعد الفيل بثلاثين عاما وقيل: بأربعين عاما [30] ولهذا السبب لم يذكر ابن اسحق تاريخ ولادته حاشا ما رواه عن قيس بن مخرمة قال: ولدت أنا و رسول الله صلى الله عليه و سلم عام الفيل كنا لدين [31] .
يظهر لنا مما سبق: