ولمعرفة المرجحات لرأي المؤتمر العالمي ولجنة المتابعة المنبثقة عنه، لا بد من الرجوع إلى الوراء قليلا، ولا بد من الإجابة على أسئلة مهمة تسلط الضوء على خفايا الأمور: تحديد المسيء؟ من هو، ومن دعمه وأيده وسانده؟ من الذي برر الإساءة ودافع عنها؟ ومن الذي عارضها وبذل ما يمكنه لإضعاف أهلها؟ ما العمل المطلوب من شرائح المجتمع الدانمركي على اختلاف أطيافه؟
سنجد، وبشكل واضح أن الذي تولى كبر القضية هي جريدة (اليولاند بوسطن) التي نشرت الرسومات المسيئة في 30/09/2005 للميلاد، وهي جريدة مستقلة، حرة وإن كانت قريبة جدا في ميولها من التيار اليميني الحاكم ولا يتعب المتابع كثيرا ليرى مدى التناغم الكبير بينهما، ولكن لم يقف الأمر عند هذا الحد فحسب، بل تعاملت الحكومة مع القضية بشكل أشعر المراقبين بأنها متواطئة، متعاونة، موافقة، غير كارهة ولا عابئة ولا حتى ممتعضة من عمل الصحيفة؟ وبالتالي أصبح للجريدة شريكا ألا وهو الحكومة الحالية. وبقى الشعب على الحياد بحجة أن ثقافته لا توجب عليه التدخل في هذه القضية فظهر بمظهر اللا مبالي.
ومرت الأيام، بل الشهور وكأن شيئا لم يكن -وهذا للأسف على صعيد العالم الإسلامي- ولحكمة يعلمها الله مرت ثلاثة شهور ونصف، وبعدها هبت العاصفة التي لا يستطيع أحد -مهما كان دوره- أن يدعي فضل تأجيجها، إذ الفضل لله وحده، إظهارا لكرامة المصطفى ومقامه الكريم واللافت للانتباه أن عامة الناس هم الذي أخذوا قرار المقاطعة، مستبقين الفتاوى من العلماء، ولا شك أنه كان عملا مهيبا، أحيى في الأمة الأمل من جديد، فهي أمة قال عنها قائدها أن خيرها لا ينقطع، يكفي في تلك الهبة العارمة أنها دلت، بما لا يدع مجالا للشك، على أن الأمة محبة ومعظمة وموالية لنبيها وإمامها وأسوتها وقائدها، خاتم الأنبياء وإمام المرسلين عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم. ومرت الأيام ولا بد لنا أن نلقي نظرة فاحصة على واقعنا كمسلمين داخل الدانمرك وخارجها لنجد التالي، والذي لا يليق بنا تجاهله عند حكمنا.
على صعيد الدانمرك:
فإن شيئا ما لم يتغير على صعيد الحياة اليومية، بل أحيانا يظن الناظر في الواقع أن شيئا لم يكن، اللهم إلا إن كان يستمع للأخبار.
أما الجريدة فلم تعتذر ولم تقدم ما يشعر بندمها بل كانت مصرة على موقفها حتى الرمق الأخير، أما الحكومة فقد تحلت بالصبر حتى تمر الأزمة وهي ماضية في موقفها متذرعة بعدم إمكانية إدانتها لعمل الصحيفة لأن قانون الحريات يكفل لها ذلك، فكذبها الله وأدانت عمل شركة (آرلا) واصفة إياه بأنه ركوع للمسلمين.
أما الشعب الدانمركي فبقي على بروده المعتاد دون حراك، اللهم إلا مظاهرات بسيطة متواضعة لا ترتقي إلى مستوى الفعل وردات الفعل عليه وكذا بعض البيانات الصادرة من هنا أو هناك.
وما له علاقة بشركة (آرلا) فإنها كانت بين مطرقة المقاطعة في العالم الإسلامي وسندان مقاطعة سابقة داخل الدانمرك، أفضت إلى استبدال الكثير من الأسواق لمنتجاتها بمنتجات أخرى ولأسباب داخلية وجدت نفسها تدفع ثمن فعلة غيرها فحارت بين النظر إلى مصالحها والنظر إلى مصالح الوطن كما أوهم البعض من ضرورة ثباتها وعدم خذلانها لأنصار الحرية كما زعموا.
وعلينا أن لا ننسى أن شركة (آرلا) ليست شركة وطنية، بالمصطلح العربي، فليست هي الحكومة حتى تتحمل مسؤولية عمل الأخيرة وليست تابعة للجريدة أو داعمة لها، وقبل ذلك لا بد أن نعرف أن الحكومة لم تعد الشركة بتعويضات لأنها تراهن على عقود فيها بنود جزائية والتزامات تجارية، قد تخرج الدانمرك من أزمتها، ويتحمل بعد ذلك المسؤولية عن هذه الخسائر جهات أخرى ولا يستبعد أن يكون المسلمون هم الدافعون لتلك الضريبة.
إلى جانب أن الحكومة الدانمركية كانت تعول آمالا على دعم لها من الاتحاد الأوروبي، بل صرح المسؤولون فيها مرارا أن المقاطعة لم تضر بها وذلك لأن صادراتها للعالم الإسلامي لا تتجاوز العشرة في المائة.
وخلاصة القول:
أن المقاطعة آذت الدانمركيين ولكنها لم تضرهم وعليه فلا يصح العتاب الآن بأن يقال لماذا قاطعنا إذن؟ بل يقال يكفي المقاطعة أنها عبرت عن الحب الكبير لنبينا ولديننا وعلينا أن لا ننسى أن المقاطعة خيار شعبي وهو لا يملك غير ذلك والله لا يكلف نفسا إلا وسعها، يكفيها أنها حركت مشاعر الأمة، ونبهت خصومها إلى ثبات الأمة واحترامها لمقدساتها. فالخلل لم يكن بالمقاطعة ولن يكون برفعها بل الخلل كله في جعل المقاطعة السبيل الأوحد وعدم رفده بما يشكل ضغطا على المعتدي ليرد الحق إلى أصحابه ولذلك فإني أناشد الإخوة في الله أن يكونوا موضوعيين هذه المرة وأن ينظروا للقضية من كل جوانبها ولئن ساءهم وقف المقاطعة بعد وقوعها فقد كان الأولى أن يسوءهم ما لم يقع أصلا وكان مؤثرا أكثر، فالتقصير كبير وعلى شتى المستويات.
أما على صعيد العالم الإسلامي: