فهرس الكتاب

الصفحة 2595 من 3657

فإن التوصية برفع المقاطعة عن منتجات شركة (آرلا) بعد خطابها الواضح والصريح، كان قرارا عاقلا وحكيما بل ومنسجما مع قواعد الشريعة الغراء. وخطأ المعترضين أنهم رأوا القذاة في عيون الدعاة ولم يروا الجذع في عيون غيرهم، وإن المتابع لمجريات الأحداث في عالمنا الإسلامي يجد معوقات أمام المقاطعة كانت كفيلة بزوالها دون تحقيق شيء من المصالح والمكتسبات، فإنه مما أثخن في المقاطعة وأوهنها أمور:

1-ظهور بعض الأصوات التي قللت، للأسف، يومها من شأن المقاطعة، سواء من أفتى بحرمتها وبعضهم صرح ببدعيتها وغير ذلك مما عودنا البعض على سماعه عند كل معضلة ونازلة، أو من جهة من قلل من شأن المقاطعة وصورها وكأنها مسعرة حرب ونحن بأمس الحاجة للسلام فرفع شعار الحوار على أنه أوحد خيار، فساهمت تلك الدعوات بدفن الأمل الذي سرى في أوساط الأمة، ورغم هول المصاب وفداحة الموقف وما قابله من حرقة عظيمة وفورة في المشاعر وإقبال من الناس لنصرة الحبيب المصطفى، في تلك اللحظات الحاسمة جاءت تلك الدعوات، من بارزين في مجتمعنا، لتقوم بدور الفرامل، كابحة جماح ثورة عارمة، فكانت تلك الأصوات بل بعض الممارسات موهنة للعزائم مثبطة للهمم مطفئة لجذوة الغيرة، ألا فسامح الله من عمل ذلك وهو يظن أنه يحسن صنعا.

2-إن المتتبع لأحوال المسلمين اليوم ولا سيما عند المحن ليعجب كل العجب من حالنا، إلا من رحم الله، أمة سرعان ما تنتفض ثم تنطفئ، تبدأ أعمالها بشكل انفعالي عاطفي، تفرغ معه شحنتها كاملة ثم لا تلبث أن يدب إليها التراجع واليأس مع أننا كلنا يعلم أن النصر مع الصبر، وديننا علمنا أن أفضل الأعمال أدومها وأن الله لا يمل حتى يملوا. وأنا عندما أقول ذلك لا أفشي سرا، فإن الدانمركيين صرحوا به قبل مؤتمر البحرين بل في وقت الذروة والنشوة للمقاطعين وقالوا: سنصنع كسنبلة القمح ننحني للعاصفة حتى تمر وقد عودنا المسلمون أنهم سرعان ما تفتر عزائمهم. يا سبحان الله وكأني بقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يحاكي واقعنا (عجبت لجد الفاجر وعجز الثقه) فإلى الله المشتكى وهنا يحسن ينا التذكير أن المقاطعة لم تكن سوى ردة فعل عاطفية متأخرة وغير مدروسة ولا مخطط لها وهذا بحد ذاته لم يكن مبشرا، فالمخاوف كانت تشوب المقاطعة حتى قبل وجودها لعدم توفر المناخات المناسبة.

3-عمليا: لم تكن المقاطعة أمرا واقعيا مطبقا في أرجاء عالمنا الإسلامي، اللهم إلا في بعض البقاع المباركة وهي محدودة، عودتنا دائما التفاعل الإيجابي مع قضايا المسلمين، بينما بقية العالم فلم يكن يعنيه الأمر شيئا وقد تكشفت بعض الحقائق حول هذا الأمر أخيرا.

4-وهنا بيت القصيد أن المقاطعة لم تكن تستند إلى أرضية ثابتة، أعني أن ارتباط الجهات الرسمية بمعاهدات وعقود وعلاقات جعلتها مكبلة لا تقدر على أخذ موقف واضح معلن، وبالتالي فإن المقاطعة التي كنا نفخر في بدايتها أنها شعبية محضة لم يعد ذلك محل فخر واعتزاز فقد آن الأوان لتبنيها وتقنينها ودعمها لتكون فاعلة ومؤثرة فالله عز وجل يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وعليه فإن الحمل كان ثقيلا على الاقتصاديين وحدهم لأنه كان لزاما على الأمة بشتى أطيافها أن تقف موقفا واحدا وواضحا ليكون ذا أثر، أما حصر القضية بالتاجر والمستهلك فمعناه أننا حرمنا على أنفسنا طعاما لسبب، نحترمه، ولكن لم نطور من عملنا ليكون ضاغطا للإصلاح والتغيير، وبصراحة تامة فإن الغاية من المقاطعة لم تتحقق بل أصبح، ضمن هذه الظروف، تحقيقها ضربا من المحال أو الخيال، وعليه فرفع المقاطعة لا سيما عن المتبرئ ليس هو السبب في ضياع حقنا بل السبب هو هواننا على الناس فإلى الله المشتكى وعليه التكلان.

5-لو نظرنا لواقعنا نظرة متفحص وبإخبار الثقات من الغيورين المتابعين للواقع، تبين أن البضاعة الدانمركية عادت لكثير من أسواق المسلمين دون قرار ولا رأي ولا توصية بل حتى ولا فتوى، اللهم إلا إذا استثنينا بعض البلاد التي لم تفعّل فيها المقاطعة أصلا فبقيت بضائعهم على رفوفها. فاللوم إذن ليس على التوصية نفسها لأن العلماء أخذوا بها لما وجدوا أنفسهم أمام مفترق طرق إما أن يتجاهلوا بيان شركة (آرلا) أوانهم يتعاطون معه بما يلزم. وإما أن يلحظوا واقع المسلمين وضعفهم ويستفيدوا من تلك الفرصة ليكون عود البضائع بيدهم ويستفيدون منه ويوظفوه لصالح القضية أو أن تخرج أوراق اللعبة من أيديهم ويعود كل شيء إلى مكانه دون مراجعتهم ودون تحقيق أي من المكتسبات وبذلك يضعون أنفسهم موضعا يصدق فيه"ويقضى الأمر حين تغيب تيم....ولا يستشهدون وهم شهود"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت