فهرس الكتاب

الصفحة 2645 من 3657

وتثبت هذه الشهادة في أول النسخة المسموعة على الشيخ [52] ، ويبين فيها أسماء من حضر السماع ومن غاب ومقدار الفوات في حق من حضر أو غاب، ويذكر مكان السماع وعدد مجالسه وتاريخ كل كما مثلنا في سماع سنن البيهقي على ابن الصلاح.

ويحفظ هذا الطباق مع النسخة المسموعة في خزانة المدرسة التي سمع فيها الكتاب، ولم يكن ذلك تقليدا رسميا في كل مدرسة لكنه انتشر في القرون المتأخرة فيما أظن، وقد كان ينشط بعض المجتهدين من طلبة العلم في كتب الطباق في نسخته مبنيا سماع من حظر ومن غاب، وكان هذا الطباق بمثابة الشهادات الدراسية الرسمية، بحيث يجب على من حاز الطباق أن يبذل النسخة المسموعة المضبوطة لمن حضر السماع وورد اسمه في الطباق.

وبلغت أهمية الطباق أن من كان يمنع هذا الإثبات يلجأ إلى القضاء لينتزع له حقه في نسخ الكتاب المسموع. [53]

فمن ذلك أن رجلا قدم رجلا إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي، فادعى عليه أن له سماعا في الحديث في كتابه وأنه قد أبى أن يعيره، فسأل إسماعيل المدعى عليه، فصدقه وقال: له في كتابي سماع ولست أعيره، فأطرق إسماعيل مليا، ثم رفع رأسه إلى المدعى عليه، فقال له: عافاك الله، إن كان سماعه في كتابك بخطك فيلزمك أن تعيره، وإن كان سماعه في كتابك بخطك فيلزمك أن تعيره، وإن كان سماعه في كتابك بخط غيرك فأنت أعلم. قال: سماعه في كتابي. بخطي ولكنه يبطئ برده علي، فقال: أخوك في الدين، أحب أن تعيره، وأقبل على الرجل فقال: إذا أعارك شيئا فلا تبطئ به. [54]

قال الأستاذ أبوغدة: ويتجلى للقارئ من هذه الوقائع والأقضية قيمة ( السماع) العلمية ، فغن السماع شهادة صادقة تمثل الكلمة العلمية المنقولة توثيقا وتحقيقا وقهما وضبطا وتحملا و أداء وإذا كانت الأسانيد انساب الكتب فالسماعات هي البينات الناطقة وشهادات العدول الثقات لها، فلذا كان الحرص عليها شديدا، وتدخل القضاء في الحكم فيها كما علمت [55] .

كيفية كتابة الطباق

في مقدمة ابن الصلاح:"ذكر الخطيب الحافظ أنه ينبغي للطالب أن يكتب بعد البسملة اسم الشيخ الذي سمع الكتاب منه وكنيته ونسبه ثم يسوق ما سمعه منه على لفظه، قال: وإذا كتب الكتاب المسموع فينبغي أن يكتب فوق سطر التسمية أسماء من سمع معه وتاريخ وقت السماع، وإن أحب كتب ذلك في حاشية أول ورقة من الكتاب فكلا قد فعله شيوخنا [56] . ثم يعقب ابن الصلاح قائل: كتبة التسميع جنب ذكره أحوط له وأحرى بأن لا يخفى على من يحتاج إليه، ولا بأس بكتبته آخر الكتاب وفي ظهره وحيث لا يخفى موضعه، وينبغي أن يكون التسميع بخط [57] شخص موثوق به غير مجهول الخط ولا ضير حينئذ في ألا يكتب الشيخ المسمع خطه بالتصحيح. وهكذا لا بأس على صاحب الكتاب إذا كان موثوقا به أن يقتصر على إثبات سماعه بخط نفسه، فطال ما فعل الثقات ذلك [58] ."

قال السيوطي:وينبغي لكتاب الطباق أن يكتب إجازة الشيخ عقب كتابة السماع، وذلك لاحتمال وقوع شئ من الانشغال من المستمعين أو العجلة أو الهيمنة فينجبر بذلك ( أي ينجبر النقص في السماع بالإجازة فيسوغ أن يروي الكتاب بعدئذ) [59] .

قال ابن الصلاح:"ثم إن على كاتب التسميع التحري والاحتياط وبيان السامع والمسموع منه بلفظ غير محتمل، ومجانبة التساهل فيمن يثبت اسمه، والحذر من إسقاط اسم واحد منهم لغرض فاسد. فإن كان مثبت السماع غير حاضر في جميعه لكن أثبته معتمدا على إخبار من يثق بخبره من حاضريه فلا بأس بذلك إن شاء الله" [60] .

أي يجوز لكتاب الطباق أن يعتمد على إخبار الثقات بحضور البعض ليثبت أسماءهم في الطباق.

منهج المحدثين في نقد الإسناد:

قد آل بنا البحث إلى ضرورة معرفة منهج المحدثين في نقد الإسناد وما هي قواعدهم وأصولهم في هذا المضمار؟

وسبق أن عرفنا في ضوء عرض نظرية الإسناد عند المحدثين أن النقد قد وجدله مجال يمكن أن يمارس فيه على أساس يشبه الملاحظة والتجربة، وقد احتف بذلك جملة من القواعد العملية في الجرح والتعديل والعلل (يأتي الكلام عليها) … كل ذلك صاغه المحدثون في سياق منظومة واضحة للنقد العلمي.

لكننا نجتزئ هنا ما له علاقة مباشرة بالإسناد الفرد، وذلك أن منهج النقد عند المحدثين يتدرج من البسيط إلى المركب على نسق تصاعدي.

ثم نعرج بعد ذلك على منهجهم في دراسة الأسانيد المتعددة أو المركبة لنصل إلى فهم تلك المنظومة من النقد العلمي للإسناد عند المحدثين.

وقد نص المحدثون على شروط السند الصحيح الذي يعتبر من المقبول في حيز الاحتجاج.

فاشترطوا له شروطا تتعلق بسلامة ظاهر السند من القوادح الواضحة، وهي:

1.أن يكون السند متصلا بين رواته.

2.أن يرويه العدول الذين لا قدح في ديانتهم والضابطون الذين لا قدح في حفظهم.

وشرطان لبلوغه درجة الصحة التامة ومرتبة صلاحية الاحتجاج به، وهو من أدق شروطهم في هذا الباب. وهو: أن يكون سالما من الشذوذ والعلة. [61]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت