5-والإدراج كله حرام، قال السمعاني:"من تعمد الإدراج فهو ساقط العدالة وممن يحرف الكلمة عن مواضعه وهو ملحق بالكذابين" [71] .
6-القلب:وهو أن يكون الحديث مشهورا براو فيجعل مكانه أخرا في طبقته وقد يقع القلب في المتن أيضا بتبديل جملة مكان أخرى.
وقد يقع القلب قصدا ويسميه المحدثون سرقة الحديث، وقد يقع غلطا، وعلى الاحتمالين فهو خطأ بقدح في الحديث، وقد أفرغ المحدثون جهدهم في تتبع ذلك عن طريق التفتيش في الأسانيد و الطرق . [72]
وبقي من القوادح:الشذوذ و العلة و النكارة و سنفردها بالحديث إن شاء الله في نظرية العلة.
ونشير هنا إلى أن تتبع الأسانيد والطرق ليس مقصودا لذاته،ولاكن بقصد الموازنة بينها والمقابلة بين أفرادها لتلمس وجه الخطأ فيها وسنتعرض لتفصيل ذلك عند الفصل الخاص بمرتكزات المركز إن شاء الله تعالى.
الحديث المرسل و موقف المحدثين منه [73]
لقد كان الحديث المرسل من أكثر الإشكاليات تعقيدا في نظرية الإسناد، ولم أقف حتى الآن على دراسة تفسير وجود المرسل أو جنوح البعض للاحتجاج به مع استقرار نظرية الإسناد في وسط المحدثين.
وسنحاول من خلال هذا المبحث أن نتعقب نشأة الحديث المرسل وقضية الاحتجاج به لنحاول معالجة هذه الإشكالية في ضوء منهج النقد عند المحدثين.
لقد علمنا أن الإسناد نشأ مع انتشار النصوص الشرعية في عهد النبوة ووجدت النصوص التي تحصن على تبني مفهوم نظرية الإسناد.
لكن اعتماد التنصيص على رجال السند أمر لم يستقر في العهد المبكر لنشوء نظرية الإسناد، فكان الإسناد موجودا على الحقيقة ولكن في مقام الرواية كان يحدث بعض التساهل في ذكر السند.
وأساس ذلك أن الرعيل الأول لم يعرف الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل احتاط من ذلك اشد الحيطة وخاف منه أشد الخوف حتى إنهم أقلوا من الرواية حذرا من الوقوع في الخطأ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال عبد الله بن الزبير لأبيه ( الزبير بن العوام ) : إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان ، قال: أما وإني لم أفارقه، ولكني سمعته يقول:"من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار" [74] .
وقال ابن أبي ليلى: كنا إذا أتينا زيد بن أرقم، فنقول: حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:"إنا قد كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد". [75]
وقال شُرَحْبيل بن السمط لكعب:"يا كعب ابن مرة حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحذر". [76] وكان عمران ابن الحصين يتجنب التحدث كثيرا لئلا يقع في الخطأ [77] .
وكان بعضهم يثق في رواية بعض، وعولوا على رواية من كان يحضر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان لا يحضر انشغالا بجهاد أو معاش أو نحو ذلك.
قال البَراء بن عازب:"ما كل الحديث سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب" [78] .
وهذه الثقة في عدم وجود من يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلتهم يحدثون عن الوسائط ثم يرفعون الحديث دون ذكر هذه الوسائط لأنه تحصيل الحاصل.قال انس ابن مالك:"ليس كل ما نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه منه ولكن حدثنا أصحابنا، ونحن قوم لا يكذب بعضهم بعضا" [79]
وليس معنى هذا أن كل ما حدثوه كان عن وسائط فهذا مستحيل يمنعه استقراء بسيط لصيغ التحمل التي استخدموها مثل قولهم سمعت رسول الله ، رأيت رسول الله، سألت رسول الله، ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولكن هذا لا يمنع أن للصحابة مراسيل اسقطوا فيها الوسائط، ولم تكن تلك الوسائط إلا صحابة أيضا - لأنه يبعد أن يروي صحابي فيها حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولذلك أجمع نقاد الحديث على قبول مراسيل الصحابة لاحتجاج بها، ومنع الاحتجاج بمراسيل الصحابة قول مرذول قالت به شرذمة لا تنتمي إلى المحدثين فلا يعتد بمخالفتهم في استقراء منهج المحدثين [80] .
فلما جاء عصر التابعين جروا على هذا المنهج في الوثوق بصحابة رسول الله صلى الله عليه ، وكان ذلك بصورة قليلة ومن بعض التابعين- كبارهم على الخصوص- وليس جميعهم.
فلما وقعت الفتن في أواخر عهد الصحابة وبداية انقراض وجودهم وابتدأ ظهور الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف التابعون جميعا وقف حازمة من قضية الإرسال وإسقاط الواسطة وابتدأ التنصيص على رجال السند جميعا كأنه واجب يقتضيه تبليغ الحديث نفسه [81] .