فهرس الكتاب

الصفحة 2648 من 3657

ولكن عجزوا عن تداول ما حدثوا به من قبل على صفة الإرسال فمنهم من صار ينص على الصحابي الذي كان يسقطه ومنهم من كان يشك هل سمعه من صحابي أو غيره صحابي فيسكت عما أرسله قديما [82] فبقيت روايته المرسلة متداولة على إرسالها، ومن أسند شاعت روايته المرسلة المسندة، ومن التابعين من كان يثق في من يروي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا وإن لم يكن صحابيا فلما حدثت الفتن ارتابوا فيما رووه عن المجاهيل فلم يعودوا لرواية ما سمعوه عنهم لكن كانت مراسيلهم تلك قد انتشرت أيضا [83] .

وعلى هذا يمكننا تقسيم أنواع المراسيل من حيث رجوع أصحابها عن روايتها على صورة الإرسال إلى ثلاثة أقسام:

الأول: مراسيل من كان لا يرسل إلا عن صحابي ، فكان يرسل تارة ويسند تارة ، فلما حدثت الفتن وظهر الكذب امتنع عن الإرسال ولم يحدث إلا بالمسند، وعلى هذا تحمل مراسيل سعيد ابن المسيب ، فإنه لم يكن يحتاج إلى الرواية عن التابعين وقد لقي العشرة المبشرين بالجنة فضلا عن المئات من الصحابة [84] ، ولذلك عندما تتبع المحدثون مراسيله وجدوها مسندة.

الثاني: مراسيل من كان يشك أو كان يحدث أحيانا من غير الصحابة فلما امتنع عن الإرسال لم يسند إلا ما تيقن أنه عن صحابي، ومن بعده روى عنه على هيئة الإرسال دون أن يوجد له طريق مسند، وعلى ذلك تحمل مراسيل مثل الحسن البصري، فإن منها مراسيل لم توجد لها طرف مسندة البتة [85] .

الثالث: مراسيل من كان يحدث عن بعض المجاهيل [86] فلما احتاط امتنع عن تكرار التحديث عنهم لكن رويت عنه تلك الروايات وانتشرت على هيئة الإرسال وعلى ذلك تحمل مراسيل مثل الزهري والأعمش.

ويوجد احتمال رابع يشمل كل تلك الحالات،وهي أن المراسيل كانت أحاديث تروى في مقام المذاكرة السريعة أو الموعظة المختصرة فكانت السرعة والاختصار في الموعظة تتطلب اختصار السند فينتشر عندئذ على هيئة الإرسال.

لعل هذا التفسير لتاريخ الإرسال وأسبابه يبين علة وجود المرسل مع استقرار نظرية الإسناد.

ولا يمكننا أن نذهب إلى أن نظرية الإسناد لم تكن واضحة المعالم بعد، أو أن التابعين تهاونوا في تطبيقها، لأن كل من أن أرسل من التابعين فإرساله هو النادر وإسناده هو الأكثر، فكيف نفسر الكثير بالقليل والنادر؟ إن الأوفق أن نحكم بالكثير على القليل لان النادر لا حكم له.

بل إن النظر السديد والتأمل العميق يؤدي إلى القول بان في وجود المرسل دليلا على استقرار نظرية الإسناد لا على اضطرابها وعدم وضوحها.

فاجتماعهم على تحبيذ الإسناد وعلى جعل المرسل هو الطارئ دليل على أنهم مزية الإسناد وفضيلته وما كان لأحد أن ينزع إلى المفضول مع قدرته على بلوغ الفاضل إلا عن ضرورة ملجئة أو علة وجيهة أو عذر من الأعذار يستوجب رفع المذمة ودرء النقيصة.

وهناك مسالك وجيهة لتفسير وجود المرسل لا يصح أن نضرب عن ذكرها صفحا، فإنها وإن كانت قاعدة عن تبرير جواز الإرسال صناعة إلا أنها ناهضة لتسويغ إعذار من أرسل تساهلا.

فمن ذلك ما روى الترمذي في العلل الصغير عن الأعمش قال: قلت لإبراهيم النخعي: أسند لي عن عبد الله ن مسعود، فقال: إبراهيم: إذا حدثتك عن الرجل عن عبد الله فهو الذي سميت، و إذا قلت: قال عبد الله فهو عن غير واحد [87] .فهذا منهج خاص واصطلاح مستقل للنخعي في الإرسال، أنه لا يرسل إلا حين يستفيض الرواة في النقل عمن يروى دلالة على بلوغ المنتهى في الثقة بالمنقول فيرويه عنه على هيئة المرسل اطمئنانا إلى صحة واستغناء بشهرته عن إسناده.

وعلى هذا المسلك درج آخرون منهم الحسن البصري، قال الخطيب ابن ناصح: كان الحسن إذا حدثه رجل واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث ذكره، فإذا حدثه أربعة بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ألقاهم وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [88] .

وروى ابن عبد البر عن الحسن البصري قال: ما حدثني به رجلان قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [89] . ومع ذلك كله فإن منهج النقد عند المحدثين لم يقف بوقف المتفرج تجاه هذه الإشكالية بل إنه تعامل معها بصرامة تتناسب وسمة التثبت التي اتصف بها هذا المنهج فلنستعرض كلام أصحاب المنهج في ذلك.

حكم الاحتجاج بالمرسل:

قال أبو داود في رسالته لأهل مكة:"أما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيه وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره.." [90]

وقال ابن رجب الحنبلي في شرح العلل:"وقد ذكر ابن جرير وغيره أن إطلاق القول بأن المرسل ليس بحجة من غير تفصيل بدعة حدثت بعد المائتين" [91] . ويفهم من كلام ابن جرير أن قبول المرسل بالقيود كان قولا مشهورا قبل المائتين،ثم نشأ قول برد المرسل مطلقا.

وما تحصل لي في هذه المسألة أن المرسل لم بتكلم فيه أحد بقبول أورد قبل الشافعي، وإنما كانوا يروون المرسل وهم يعملون انقطاع السند ولكنهم يحتجون بمضمونه فقط كما قال ابن رجب في شرح علل الترمذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت