فهرس الكتاب

الصفحة 2649 من 3657

ثم جاء الشافعي ورد المرسل مستثنيا مراسيل سعيد وبعض المراسيل التي تتوافر فيها شروط أخرى [92] .

لكن جل النقاد من مدرسة أهل الحديث رفض أي استثناء واعتبر الإسناد المرسل ناقصا غير مقبول حتى يرد كاملا موصولا من طريق أخرى، وما روى عن أحمد في قبوله بعض مراسيل التابعين أو الاحتجاج ببعض المراسيل التي توافرت فيها بعض الشروط فليس من باب صناعة الحديث أو النقد الحديثي، ولكن قاله تفقها لأنه كان يواجه مدرسة الرأي، فنظر بأن الأخذ والاحتجاج بصحاح المراسيل أولى من العمل بالرأي، وهذا معنى احتجاج الفقهاء بمضمون المرسل وليس اعتقادا منهم بصحة نسبة الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع انقطاع السند.

وصفوة القول إن هناك فرقا بين الاحتجاج بالمرسل وبين صحة الحديث المرسل ، فالإسناد إذا صح إلى التابعي الذي لا يروي إلى عن صحابة أو توافر شروط أخرى تفيد الثقة بمراسيله يكون بذلك صالحا للاحتجاج ولكن لا يطلق ولكن لا يطلق القول بصحة الحديث من هذا الطريق المرسل، فالمرسل صورة ناقصة للإسناد ولم تختلف كلمتهم على ضعف الحديث المرسل، أي ضعف نسبته ( كلاما ) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما اعتماده ( احتجاجا) بديلا عن الرأي فهذا عمل غالب المحدثين والفقهاء [93] .

وبهذا التخريج يلتئم منهج النقد عند المحدثين ويتناسق ، ولا تبدو قضية المرسل فيه نشازا او شذوذا ينال من اتساق قواعده وأحكامه.

الخلاصة

1-قام منهج النقد عند المحدثين على أساس تحقيق اكبر قدر من الملاحظ المباشرة، وذلك عبر وجود الإسناد الذي هيأ للناقد تواصلا مع الرواية التاريخية لم يتوافر لمنهج النقد التاريخي عند الأوروبيين.

2-موت عملية نقد الروايات وصيانتها من الانتحال بمرحلتين أتاحت توثيق الأسانيد بأكبر قدر ممكن من الاحتياط والتثبت والتدقيق حتى تصل ( الأسانيد ) إلى الناقد على وجه يتيح له الرواية من خلالها.

وهاتان المرحلتان هما:

1.توثيق الرواية منذ حدوثها إلى تدوينها

2.توثيق الرواية منذ تدوينها إلى نشرها وتداولها عن طريق الأوساط العلمية .

3-تظهر عبقرية منهج المحدثين من خلال الدقة المتناهية في الإرسال التي ابتكروها في تحمل وأداء الأسانيد وتصحيحها.

4-تبنى منهج النقد عند المحدثين مبدأ البحث عن وجود سقط في الإسناد أو انقطاع بين الرواة، واعتبروا هذا القادح الظاهر سببا في اطراح الرواية لعدم وجود الاتصال في المسند وابتكروا لذلك طرقا فريدة في الكشف عن الانقطاع بين الرواة .

5-وجدت أسباب تاريخية أدت إلى وجود صورة الحديث المرسل، وقد عالج المحدثون إشكالية المرسل لأنها تحتل خصوصية في سياق نظرية الإسناد، فاعتبروا هيئة الحديث المرسل مرفوعة من حيث صورة الإسناد المنقطع، لكنهم احتجوا بمضمون المرسل بشروط معينة.

[1] - مناهج البحث عند مفكري الإسلام . علي سامي النشار. ص375

وينبغي الإشارة إلى خطأ الدكتور النشار في تصنيف علم مصطلح الحديث تحت المنهج الاستردادي باعتباره صنو المنهج البحثي التاريخي الحديث كما عرفه لانجلوا و سينوبوس، فمن عرضه يستبين أنه لم تحصل له صورة واضحة عن منهج المحدثين في النقد ا، إذ لم يزد على أن قال:"وقد توصل المسلمون إلى كل ما توصل أليه علماء مناهج البحث التاريخي…"وأثبت مجرد السبق ، لكن منهج المحدثين تفرد بنظريات ومجالات لم بتطرق إليها المنهج الأوروبي أصلا كما أنه يخالفه في البيئة التي نشأ فيها ويفارقه ببعد ديني وعمق أخلاقي فريد.

[2] - المدخل إلى الدراسات التاريخية لانجلوا سينوبوس.ص 43

[3] - السابق ص90

[4] - دراسات عن المؤرخين العرب. مرغليوث. ترجمة حسين نصار .ص.30. وانظر التاريخ عند المسلمين . محمد عبد الغني حسن صفحات 11،53،،63،67. والواقع أن الحقيقة العلمية في يقينها بالنسبة للمشاهد والملاحظ ولغيره لا تختلف عن الرواية التاريخية، فقوانين الجاذبية مثلا يقينية في حق الممارس لها العارف بها، وإخباره عن يقينها للجاهل بها مثل إخبار المشاهد للواقعة التاريخية من لم يشاهدها. فارتدت المعرفة لدى كليهما بالنسبة لغير الملاحظ والمشاهد بنفسه إلى مجرد الإخبار، فلا بد من معايير النقد الأخلاقية التي انفرد بها منهج المحدثين.

[5] - نزهة النظر شرح نخبة الفكر لبن حجر ص 73

[6] - السابق ص 74-77

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت