"إن الله، الذي يصون الحق، لم يهمل العالم، وحكم على الظالمين، ولم يرحمهم لتجرئهم عليه، وردهم إلى أيدي الإسماعيليين (العرب المسلمين) ثم نهض المسلمون وحازوا كل مصر، وكان عمرو بن العاص يقوى كل يوم في عمله ويأخذ الضرائب التي حددها، ولم يأخذ شيئاً من مال الكنائس، ولم يرتكب شيئاً ما سلباً أو نهباً، وحافظ على الكنائس طوال الأيام، ودخل الأنبا بنيامين بطرك المصريين مدينة الإسكندرية، بعد هربه من الرومان ثلاثة عشر عاماً، وسار إلى كنائسه، وزارها كلها، وكان كل الناس يقولون: هذا النفي، وانتصار الإسلام كان بسبب ظلم هرقل الملك، وبسبب اضطهاد الأرثوذكس.. وهلك الروم لهذا السبب، وساد المسلمون مصر.. وخطب الأنبا بنيامين (39ه 659م) في دير مقاريوس، فقال: لقد وجدت في الإسكندرية زمن النجاة والطمأنينة اللتين كنت أنشدهما، بعد الاضطهادات والمظالم التي قام بتمثيلها الظلمة المارقون". (12)
وبعد هذا الإنقاذ والتحرير"والنجاة والطمأنينة والسلام"، التي حققها الإسلام لكل عقائد أصحاب الديانات ولجميع المقدسات.. جاءت الحملات الصليبية الغربية (489 690ه 1096 1291م) لتحول المسجد الأقصى إلى اصطبل خيل وكنيسة لاتينية، منتهكة حرمة هذا الحرم القدسي الشريف، الذي هو عند المسلمين أولى القبلتين، وثالث الحرمين، وأحد المساجد الثلاثة التي تنفرد بأن تشد إليها الرحال.. جاء الصليبيون فحولوه إلى اصطبل خيل وكنيس لاتيني لما يقرب من تسعين عاماً (492 583ه 1099 1187م) .. حتى حرره صلاح الدين الأيوبي (532 589ه 1137 1193م) .
وإبان الحملة الفرنسية، التي قادها"بونابرت" (1769 1821م) على مصر (1213ه 1798م) دنست جيوشه جيوش الثورة الفرنسية الرافعة لأعلام الحرية والإخاء والمساواة دنست الأزهر الشريف أقدم وأعرق الجامعات الكبرى وأحد المساجد الشهيرة في تاريخ الإسلام ومزقت وداست الجنود والخيول .. القرآن الكريم وكتب السنة النبوية المطهرة.. وسكر الجنود.. وبالوا وتغوطوا على هذه المقدسات، في الأزهر الشريف.. ولقد وصف مؤرخ العصر الشيخ عبدالرحمن الجبرتي (1167 1237ه 1754 1822م) هذا الذي اقترفه جنود الحملة الفرنسية، فقال:
"لقد دخل أولئك الوعول التيوس إلى الجامع الأزهر وهم راكبون الخيل.. وداس فيه المشاة بالنعالات وهم يحملون السلاح والبندقيات، وتفرقوا في صحنه ومقصوراته، وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا في الأروقة والحجرات وكسروا القناديل والسهارات، وهشَّموا خزائن الطلبة، والمجاورين والكتبة، ونهبوا ما وجدوه من المتاع والأواني والقصاع، والودائع والمخبآت، بالدواليب والخزانات وشتتوا الكتب والمصاحف، وعلى الأرض طرحوها، وبأرجلهم ونعالهم داسوها، وأحدثوا بالمسجد وتمخطوا، وبالوا وتغوطوا، وشربوا الشراب وكسروا أوانيه، وألقوها بصحنه ونواحيه، وكل من صادفوه به عروه، ومن ثيابه أخرجوه، ووجدوا في بعض الأروقة إنساناً فذبحوه، ومن الحياة أعدموه، وفعلوا بالجامع الأزهر، ما ليس عليهم بمستنكر، لأنهم أعداء الدين وأخصام متغلبون، وغرماء متشمتون، وضباع متكالبون، وأجناس متباينون، وأشكال متعاندون."
وأعطى تلك الليلة جيش الرحمن، فسحة جيش الشيطان". (13) "
وتتكرر ذات الفعلة تدنيس الأزهر الشريف والقرآن الكريم.. وكتب السنة النبوية المطهرة على يد الاستعمار الإنجليزي (1338ه 1919م) .. فلقد حاول الإنجليز إبان ثورة الشعب المصري 1919م إغلاق الجامع الأزهر في 2 أبريل سنة 1919م لكن شيخه الشيخ محمد أبوالفضل الجيزاوي (1263 1346ه 1847 1927م) رفض.. فاقتحموه ودنسوه في 11 ديسمبر سنة 1919م.. ولقد وصف ذلك المؤرخ الحجة عبدالرحمن الرافعي (1306 1386ه 1889 1966م) فقال:
"لقد وقف في يوم 11 ديسمبر سنة 1919م 18 ربيع الأول سنة 1338 حادث اهتزت له أرجاء القاهرة، وأثار عاصفة من السخط والاستنكار في أنحاء البلاد، وهو اقتحام الجنود الإنجليزية للجامع الأزهر، لقد دخلوه بنعالهم وأسلحتهم مطاردين للمتظاهرين واعتدوا على من صادفوه بالضرب والإيذاء، فحدث هرج ومرج في الجامع واقتحم الجنود مكاتب الإدارة، وحاولوا كسر الأبواب ففزع الموظفون وحدثت ضجة داخل الجامع وخارجه..." (14)
وإذا كانت الديانات السماوية، وكذلك القوانين الوضعية، عبر التاريخ الإنساني، قد تعارفت وتوافقت على احترام العهود وتقديس عقود الأمان وخاصة للأسرى الذين يعانون وطأة الهزيمة والاستضعاف فإن الغرب الاستعماري قد احترف نقض عهود الأمان التي قطعها للأسرى المسلمين.. وذبحهم، رغم ما أعطى لهم من عهود الأمان!!"."
ففي الحروب الصليبية الغربية على الإسلام والمسلمين، رأينا ملكهم الذي يباهون به"ريتشارد قلب الأسد" (1189 1199م) بذبح ثلاثة آلاف جندي من أسرى المسلمين بعد أن قطع لهم عهد الأمان!.. وبشهادة وعبارة المستشرقة الألمانية الدكتورة"سيجريد هونكه":