وانطلقت الدراسة من ذلك إلى محاولة تفسير ظاهرة التحيز.
وفي بعض جوانب هذه الدراسة تم استخدام المنهج التاريخي بغرض رصد تطور الظاهرة، والصورة النمطية الناتجة عنها.
الدراسات السابقة
هناك الكثير من الدراسات السابقة التي ركزت على دراسة صورة العرب في وسائل الإعلام الغربية، وربطت ذلك بالصراع العربي الإسرائيلي، وهي دراسات ركزت بشكل أساسي على توصيف الصورة العربية النمطية في وسائل الإعلام الغربية، ولكن دون ربط هذه الصورة بصورة الإسلام والمسلمين، وذلك فيما عدا دراسة إدوارد سعيد: تغطية وسائل الإعلام الغربية للإسلام.
وهذه الدراسات ركزت على الوصف دون التفسير، ولذلك فإن هذه الدراسة تنطلق من التراث العلمي المتراكم، لكنها تتجاوزه في استخدام ظاهرة التحيز في دراسة صورة الإسلام والمسلمين، ثم تقدم محاولة للتفسير، ومع ذلك فإن هذه الدراسة هي جزء من دراسة أكبر يقوم الباحث بإنجازها الآن، ولذلك فإنه لابد من النظر إليها في هذا الإطار، إذ أنها لا تعدو أن تكون مجرد اختصار لعمل أكبر وأشمل.
تقسيم الدراسة
تم تقسيم هذه الدراسة كما يلي:
المقدمة:
وتشمل تعريف ظاهرة التحيز في وسائل الإعلام الغربية وأشكال التحيز، والجوانب الإجرائية المنهجية للدراسة.
المبحث الأول:
تطور ظاهرة التحيز ضد الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية.
المبحث الثاني:
محاولة التفسير ظاهرة التحيز ضد الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية.
الخاتمة: وتتضمن أهم النتائج ... واستراتيجية المواجهة.
المبحث الأول
تطور ظاهرة التحيز ضد الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية
أوضحت الكثير من الدراسات أن القساوسة ورجال الدين المسيحي قد قاموا بالدور الرئيسي في تعبئة شعوب أوروبا خلال الحروب الصليبية لشن حرب على الإسلام والمسلمين، وركز خطابهم في هذه المرحلة على إثارة المشاعر الدينية للشعوب الأوروبية، ولذلك تم التركيز في هذا الخطاب الدعائي على أن المسلمين كفار Infid صلى الله عليه وسلم ls وروجوا للكثير من الأكاذيب التي كان محورها أن المسلمين يقتلون الحجاج المسيحيين، ويمنعونهم من الحج إلى الأماكن المقدسة.. إلخ، ونجح القساوسة في حملتهم حتى استطاعوا التأثير في مراكز صنع القرار المتمثلة في تلك الحقبة في الملوك والإقطاعيين، وإشعال الحروب الصليبية.
إن دراسة هذه التجربة التاريخية تثبت حقيقة أن الحرب تبدأ أولاً في عقول البشر عن طريق خلق صورة سلبية شريرة للعدو، تخلق لدى الناس قناعة بأهمية الحرب وضرورتها ونبل أهدافها، وتتيح للمحارب قدراً من راحة الضمير وهو يرى دماء بشر مثله تتدفق أمام عينيه، وفي الوقت نفسه خلق صورة إيجابية عن الذات تقوم على أنه يحارب من أجل الحق، ولتحقيق أهداف نبيلة. وعندما تتحقق هاتان الصورتان في ذهن الإنسان فإنه يكون على استعداد لخوض الحرب، ولقتل من يعتقد أنهم أعداؤه.
ولقد أنتج القساوسة في أوروبا في هذه الفترة، بالإضافة إلى مجموعات من الكتّاب والأدباء والشعراء تراثاً تضمن الكثير من الصور السلبية للمسلمين وللإسلام، ظلت حتى الآن تؤثر على العقلية الأوروبية، وتدفعها في اتجاه العداء للإسلام، ولا يزال هذا التراث يدرّس في المدارس والجامعات الأمريكية.
كما أثارت الفتوحات العثمانية في أوروبا الخوف الشديد من الإسلام، وأدت إلى إنتاج تراث شكّله أيضاً القساوسة، يقوم على رسم صورة مخيفة للمسلمين من أهم سماتها أنهم متعطشون للدم، ويشكّلون تهديداً لأوروبا، وأن الإسلام يفرض عقوبات قاسية على بعض الجرائم مثل السرقة. (2)
ويلاحظ على الخطاب الديني والأدبي الذي أنتج خلال فترات الحروب الصليبية أو الفتوحات العثمانية، أنه كان خطاباً دعائياً تبريرياً يهدف بشكل أساسي إلى إقناع المواطنين الأوروبيين بالحرب ضد المسلمين، وباستخدام الإثارة الدينية، وإثارة الخوف والكراهية.
ولكن إذا كان رجال الدين هم القائمون بالاتصال خلال فترة الحروب الصليبية، فإن الصحفيين أصبحوا هم القائمون بالاتصال بشكل أساسي خلال الموجة الاستعمارية الأوروبية التي بدأت بالحملة الفرنسية على مصر عام 1798، والتي تزايدت حدتها خلال القرن التاسع عشر، وقام الصحفيون والصحف الأوروبية بحملة إعلامية ضخمة، استهدفت تهيئة العقل الأوروبي وتعبئة الشعوب الأوروبية لشن هذه الهجمة الاستعمارية على العالم الإسلامي.