وكان المبرر الدعائي الذي قدمته الصحافة الأوروبية للعقل الأوروبي كي يقتنع بضرورة استعمار أوروبا لآسيا وأفريقيا، هو رسالة الرجل الأبيض في تمدين البشرية أو الشعوب المتخلفة، وكان هذا نتاجاً طبيعياً لتحول أوروبا إلى العلمانية. ولتكريس هذا المبرر في الذهن الأوروبي، قامت الصحافة بتقديم صورة نمطية لشعوب آسيا وأفريقيا على أنها شعوب متخلفة، يعيشون كالوحوش وعرايا، وتم التركيز في بعض الأحيان على قضية الرق Slav صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم y، بشكل أساسي لإقناع الإنسان الأوروبي بأنه يقوم بمهمة نبيلة لتحرير البشرية.
ولذلك فإن خطاب القرن التاسع عشر، والذي ظل سائداً حتى منتصف القرن العشرين قد ركّز بشكل أساسي على عنصرين أساسيين هما: إثارة الاحتقار بالنسبة لشعوب آسيا وأفريقيا بشكل عام، وللمسلمين بشكل خاص، ورسم صورة الذات بالنسبة للمستعمر الأوروبي بشكل يقوم على الاستعلاء العرقي، حيث يوضّح كتاب لورد كرومر"مصر الحديثة"العناصر الأساسية لخطاب الاستعمار الغربي، حيث عكس هذا الخطاب صورة نمطية للمسلم تقوم على أنه إنسان عاجز، أدنى من الإنسان الغربي، مسجون داخل شخصيته الجامدة وتقاليده غير القابلة للتطور، وأن المعارضة العربية للسيطرة الغربية تأتي من عقدة الدونية للثقافة العربية. (3)
كما يوضّح هذا الخطاب الغطرسة الاستعمارية الغربية والشعور بالتفوق والاستعلاء العرقي الذي ساد خطاب المستعمر صاحب القوة في تلك الفترة.
وجاء اختراع السينما ثم تحولها إلى صناعة ضخمة ليقوم بدور أساسي في تقديم صورة نمطية للمسلمين، وتثبيت هذه الصور في الذهن الغربي، ومن خلال الكثير من الأفلام تم استدعاء المخزون التاريخي في العقل الغربي خلال الحروب الصليبية، والفتوحات العثمانية بالإضافة إلى الخطاب الاستعماري، وإعادة تقديمه والإلحاح على التذكير به، ولذلك يمكن أن نرصد الكثير من الأفلام التي تركّز على إثارة الخوف باستخدام الحروب الصليبية بشكل أساسي، وأيضاً الكثير من الأفلام التي تهدف إلى إثارة الاحتقار، وفي بعض الأحيان تم الجمع بين عناصر الخطابين في أفلام الحروب الصليبية، على الرغم من أن بعض القصص الأصلية لا تتضمن هذه الصورة المشوّهة، ومع ذلك تم إعادة إنتاجها مع تحريفها، وتحويل صورة الفرسان المسلمين في الحروب الصليبية إلى صورة القراصنة الذين لا يحاربون من أجل هدف، ويصحبون الحريم والراقصات في معسكراتهم، وأن صلاح الدين كان الهدف الأساسي لحروبه هو عشقه لفتاة غربية بيضاء... الخ.
إن دراسة تطور السينما الغربية يكشف بوضوح أنها قد قامت بدور أساسي في تشكيل الصورة النمطية للمسلمين، والترويج لهذه الصورة، وتغيير بعض سماتها طبقاً لتغيير الظروف، والترويج لسمات جديدة بشكل يرتبط بتطور الأحداث السياسية والاقتصادية، وبالتالي فإن تصوير بعض الدراسات لهذا النهج الذي اتبعته السينما الغربية بأنه يأتي لتحقيق أهداف تجارية، والبحث عن عناصر التشويق والتسلية - هو تصوير لا يمكن قبوله أو التسليم به، ذلك أن الصورة النمطية التي تشكلها السينما الغربية وتروجها تؤثر بشكل كبير على عملية صنع القرار في الدوائر السياسية والاقتصادية، وأن تأثيراتها السياسية والاقتصادية والثقافية تتجاوز بشكل كبير تلك الأهداف التجارية. فهذه الصورة النمطية قد أصبحت جزءاً من الثقافة الأمريكية والأوروبية، ولها تأثيرها على السياسات الأمريكية. (4)
وجاء اختراع التليفزيون بإمكانياته الهائلة؛ ليؤدي إلى مزيد من التكريس والتثبيت للصورة النمطية التي سبق أن روّجت لها الصحافة والسينما للإسلام والمسلمين، كما قام التليفزيون بدور كبير في تشويه هذه الصورة وتنميطها بحيث أصبحت تُستدعى تلقائياً عند ذكر الإسلام والمسلمين، وتثير الكثير من مشاعر العداء نحوهما.
يضاف إلى ذلك أن التعليم في المدارس قد قام بدور في عملية تكريس الصورة النمطية للمسلمين، وعلى سبيل المثال، فقد قام عياد القزاز بدراسة للكتب المدرسية في الولايات المتحدة الأمريكية، استخدم فيها أسلوب تحليل المضمون، وأثبتت هذه الدراسة أن هذه الكتب المدرسية تتضمن الكثير من البيانات الخاطئة والمضللة عن الإسلام، وأنها أسهمت في ترويج صورة نمطية مشوّهة عن الإسلام. (5)
إن دراسة صورة الإسلام في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، توضّح أيضاً أن سمات هذه الصورة ليست ثابتة، ولكن يتم الإضافة إليها طبقاً للأحداث السياسية، ومن أهم هذه الأحداث:
الصراع العربي الإسرائيلي: ارتبط التحيز الأمريكي والغربي بشكل عام لإسرائيل بتحيز وسائل الإعلام الغربية لإسرائيل ضد العرب، وبالتالي تم إضافة سمات جديدة للصورة النمطية بهدف إقناع المواطنين الغربيين بالتأييد المطلق لإسرائيل، وإثارة الخوف والكراهية والعداء والاحتقار للعرب والمسلمين.