لذلك فإن الصورة الحديثة التي تقدم للإسلام والمسلمين في الوقت الراهن تجمع بين كل السمات التي تم إنتاجها عبر الفترات التاريخية، سواء تلك السمات ذات الطابع الديني التي تم إنتاجها في عصر الحروب الصليبية، أو الفتوحات التركية، أو تلك التي تم إنتاجها خلال الموجة الاستعمارية الغربية خلال القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.. مع إضافة سمات جديدة هي نتاج للأحداث التاريخية المختلفة كان من أهمها الإرهاب والتعصب الديني والأصولية، والعداء للديموقراطية وحقوق الإنسان والعداء للمرأة، وتهديد الحضارة الغربية والسيطرة على منابع البترول.
دعونا نتعرف على بعض سمات هذه الصورة من خلال ما كتبه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق (ريتشارد نيكسون) ، في كتابه"انتهزوا الفرصة".
يقول نيكسون:"يميل كثير من الأمريكيين إلى وصف المسلمين بأنهم غير متحضرين، لا يغتسلون، بربريون، همجيون، وغير عقلاء، يجذبون اهتمامنا فقط لأن بعض قادتهم لديهم ثروة كبيرة، تحكم منطقة تحوي ما يزيد على ثلثي احتياطي النفط، وهم يتذكرون الحروب الثلاثة التي شنتها الدول العربية في محاولة لإبادة إسرائيل، واحتجاز الرهائن الأمريكيين على يد المغتصب آية الله الخوميني، والهجوم الإرهابي أثناء الألعاب الأولمبية في ميونيخ من قبل فدائيين فلسطينيين، والقتل الذي لا ينتهي وغير المعقول من قبل ميلشيات إسلامية متنافسة في لبنان، ونسف وتفجير طائرة ركاب مدنية على يد سوريا وليبيا، ومحاولة ضم الكويت على يد شبيه هتلر صدام حسين، ولا توجد دولة ولا حتى الصين الشيوعية، تحظى بصورة سلبية في الضمير الأمريكي كما هو الحال بالنسبة للعالم الإسلامي."
هذه هي بعض سمات الصورة، يمكن أن نراها بوضوح عبر ما تبثه الآلة الإعلامية الغربية، وهذه الصورة تقدم المبررات في أي وقت لضرب أية دولة إسلامية أو حتى إعادة احتلالها، دون وجود أي نوع من التعاطف معها، وهو ما يمكن أن يشهده المستقبل القريب.
أما الأخطر من ذلك فهو تأثير هذه الصورة النمطية السلبية على الإنسان المسلم نفسه، ذلك أن النظام الإعلامي الدولي الذي تسيطر عليه دول الشمال (أمريكا وأوروبا) ، أصبح يتحكم فيما يتلقاه الإنسان في كل مكان، ومن الطبيعي أن تؤثر هذه الصورة على عقلية الإنسان المسلم نفسه وتفكيره وقراراته، فهي يمكن أن تشكل عقدة الدونية والشعور بالنقص والضعف أمام قوة الغرب، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى إضعاف الانتماء والولاء للإسلام وللوطن وسيادة الشعور بالانبهار بالغرب، وهذه المشاعر يمكن أن تؤثر بشكل كبير على مستقبل الدول الإسلامية.
المبحث الثاني
محاولة لتفسير ظاهرة التحيز ضد الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية
هناك الكثير من العوامل التي تشكل ظاهرة التحيز بشكل عام في النظام الإعلامي الدولي، وهناك عوامل تؤدي إلى تزايد ظاهرة التحيز بشكل خاص ضد الإسلام والمسلمين، وهذه العوامل لابد من دراستها بشكل كامل، بحيث يمكن أن تعطي تفسيراً متكاملاً، وسوف نقسم هذه العوامل كما يلي:-
أولاً: العوامل التي تشكل ظاهرة التحيز بشكل عام:
1-سيطرة دول الشمال على النظام الإعلامي الدولي:
أدت سيطرة دول الشمال على النظام العالمي الدولي إلى اختلال تدفق الأنباء على مستوى العالم، وتحكم دول الشمال على عملية التدفق، وهو ما أدى إلى زيادة سيطرة دول الشمال الغنية على دول الجنوب الفقيرة، كما تعرضت دول الجنوب الفقيرة بشكل عام لتشويه صورتها في وسائل الإعلام الغربية، كما تعرضت ذاتيتها الثقافية للتشويه أيضاً.
ولا شك أن هذا الوضع الاحتكاري الغربي كان تعبيراً عن الكثير من المظالم التي تعرضت لها دول الجنوب، وعن الاستغلال والنهب المنظم لثرواتها خلال الفترة الاستعمارية، وحتى الآن، وهو ما خلق الفجوة القائمة الآن بين دول الشمال والجنوب، وأدى إلى تبعية دول الجنوب لدول الشمال تبعية اقتصادية وثقافية وسياسية.
إن اختلال تدفق الأنباء في العالم المعاصر هو اختلال كمي نشأ عن التفاوت بين حجم الأنباء والمعلومات الصادرة عن العالم المتقدم، وحجم التدفق في الاتجاه المعاكس، حيث يصدر ما يقرب من 80% من تدفق الأنباء عن وكالات الأنباء الأربع الكبرى، غير أن هذه الوكالات لا تعطي لأنباء دول الجنوب إلا نسبة تتراوح بين 20 و 30% من تغطيتها الإعلامية، على الرغم من أن دول الجنوب تشكل ما يقرب من ثلاثة أرباع البشرية.
وفي الوقت نفسه فإن اختلال تدفق الأنباء في العالم المعاصر هو اختلال نوعي، حيث أن دول الشمال تحتل بشكل دائم مركز الاهتمام العالمي، في حين يتلاشى الاهتمام بأية قضايا تتعلق بشعوب العالم الأخرى.
ويمكن أن نرصد النتائج الكيفية التالية لاختلال تدفق الأنباء.