فهرس الكتاب

الصفحة 498 من 3657

يتلاشى البحر في نيرانه ** ويخاف البحر من طوفانه

ولما دنى أبيّ تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة ثم هزها.. وحاله:

اقترب الوعد وحان الهلاك ** وكل ما تحذره قد أتاك

ثم انتفض بالحرمة كما ينتفض البعير.. فتطاير الصحابة من حوله تطاير الشعارير.. هيبة له حتى إذا رضيها عطف عليها بالفاء لا بثم.. فضربه بها في عنقه في فرجَة بين درعه وبيضته.. فأقتلعه من على فرسه فخر..

فلم يزده الله إلا هوانا ** وهو مهتضم حقير

وكان كفاقع عينيه عمدا ** فأصبح لا يضيء لها النهار

جعل يخور كما يخور الثور.. قتلني محمد.. قتلني محمد.. وعاد عواء بعد نبح هريره..

متبرقعا لؤما كأن عيونه ** طليت حواجبها عنية قاري

لم تغني عنه سيوف الهند مصلتتا ** لما أتته سيوف الواحد الصمد

جاءه أصحابه يقولون: أبا عامر والله ما بك من بأس ولو كان الذي بك بعين أحدنا ما ضره.. فقال: واللات والعزى لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون.. أليس قال لأقتلنك..!! والله لو بصق علي لقتلني.. فأصمت منهم كل من كان ينطق..!!

وما هم إلا بائل من مخافتي ** وآخر منهم ظل بالريق يشرق

وباء أبيّ بالصفقة الخاسرة ** وضيع الدنيا والآخرة

وهلك في طريقهم إلى مكة ولا يجني الظالم إلا على نفسه..

ومن ينزوا في أرض تسوخ فإنه ** على قدر ما ينزو يغوص ويغرق

شجاعة أعجزت قولي ** وفخري أن يلم بها لماما

ولولا إحتقار الأسد شبهتها به ** ولكنها معدودة في البهائم

كل الذي قلت شيء من شجاعته ** ما زدت إلا لعلي زدت نقصانا

فمن رام من شجاعة المختار كل الأخبار.. فدونه نزح البحار وما هذه كلها إلا إيماض برق باختصار..!!

ألفاظها نمت على مضمونها ** وصدورها دلت على الإعجاز

قولوا لأشباه الرجال تصنعا ** إلا تكونوا مثله فتقنعوا

معشر الإخوة:

أما إنه لولا الإيمان مقرونا بهذا الخُلق.. ما قام لله ناصح وما نفح عن الإسلام منافح.. إن الشجاعة ليست منازلة في الحروب فحسب..!! (( الشجاعة ) )تكليف يلتزم المسلم أداءه في السلم والحرب.. الأمر والنهي عن المنكر في عالم ضال (( شجاعة ) ).. الدعوة إلى الإصلاح في أمة فاسدة النظم (( شجاعة ) ).. الثبات أمام الشبهات والشهوات (( شجاعة ) ).. فعل أوامر الله والكف عن نواهي الله (( شجاعة ) ).. الدفاع عن النفس والمال والعرض والدين والمظلوم (( شجاعة ) ).. ثبات المسلمة أمام شبهات أدعياء تحرير المرأة (( شجاعة ) )..

هكذا كوني ولا تخشي أذى ** من أحب الشهد قاس الأبرا

الإنفاق في السراء والضراء وكظم الغيظ والعفو عن الناس (( شجاعة ) ).. المجاهدة على ذلك كله (( شجاعة ) )..

وكل شجاعة في المرء تغني ** ولا مثل الشجاعة في الحكيم

معشر الإخوة:

بهذا الخُلق نصر الإسلام على يدي أبي بكر رضي الله عنه يوم الردة.. والإمام أحمد رحمه الله يوم المحنة..

وإن لم يسر نجل السري بسيره ** فلا بدع إن طال العدى إنه دعي

هذا الخُلق هو الذي ترجم معنى لا إله إلا الله في قلب عبدالله رضي الله عنه ابن رأس النفاق أبي.. حين بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأبيه ودعاه.. فخمر أنفه وقال: غبر علينا ابن أبي كبشة إليك عنا فقد آذانا نتن حمارك.. فغضب عبدالله لله.. وفي ظلال قول الله.. (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ) .. أتى رسول الله وقال: يا رسول الله والذي أكرمك بالهدى ودين الحق لإن شئت لآتيتك برأسه.. حاله:

وإني لأرجوا أن أنال بقتله ** من الله أجرا مثل أجر المرابط

فقال صلى الله عليه وسلم: لا ولكن بر أباك وأحسن صحبته.. والحال:

فما البحر الخضم يعاب يوما ** إذا بالت بجانبه القرود

هذا الخُلق مع الإيمان هو الذي حرك الغيرة في قلب الشيخ المحاربي.. حين رأى منكرا على الحجاج لا يسعه السكوت عليه.. فأنكر عليه وهو يستشعر أن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.. فقال له: أسكت وأغرب والله لقد هممت أن أخلع لسانك فأضرب بها وجهك..

فقال الشيخ بعزيمة جبارة لو ** حملت أحدا لما شعرت له بكلال

سبحان الله إن صدقناك أغضبناك وإن غششناك أغضبنا الله.. ولا والله الذي لا إله إلا هو.. لغضب الأمير أهون من غضب الله.. (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) ثم مضى.. وحاله:

فما دحضت رجلي ولا زل مقولي ** ولا طاش عقلي يوم تلك الزلازل

وما أنا ممن تقبل الضيم نفسه ** ويرضى بما يرضى به كل مائق

هذا الخُلق مع الإيمان هو الذي جعل عبادة في فتنة القول بخلق القرآن يصدع ويقول: كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.. ثم كان حجة يفهم من يقول بذلك القول.. حين دخل يوما على الواثق وقال: يا أمير المؤمنين أعظم الله أجرك في القرآن..!! قال: ويلك القرآن يموت..!! قال: يا أمير المؤمنين كل مخلوق يموت.. ثم موه عليه ومخرق.. قال: بالله يا أمير المؤمنين من يصلي بالناس التراويح إذا مات القرآن..

فأعاد الحر منهم حائرا ** وثنا منهم المنطيق مفحما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت