وَأَجَابَ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْم ٍ عَنْهُ بِجَوَابٍ عَلَى أَصْلِهِ وَهُوَ أَنّ عَائِشَةَ لَمْ تَكُنْ مَعَهُنّ فِي ذَلِكَ فَإِنّهَا كَانَتْ قَارِنَةً وَهُنّ مُتَمَتّعَاتٌ وَعِنْدَهُ لَا هَدْيَ عَلَى الْقَارِنِ وَأَيّدَ قَوْلَهُ بِالْحَدِيثِ الّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجّةِ فَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلّ بِعُمْرَةٍ فَخَرَجْنَا حَتّى قَدِمْنَا مَكّةَ ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ لَمْ أَحِلّ مِنْ عُمْرَتِي ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ دَعِي عُمْرَتَك وَانْقُضِي رَأْسَكِ ، وَامْتَشِطِي ، وَأَهِلّي بِالْحَجّ . قَالَتْ فَفَعَلْتُ . فَلَمّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ وَقَدْ قَضَى اللّهُ حَجّنَا ، أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ، فَأَرْدَفَنِي ، وَخَرَجَ إلَى التّنْعِيمِ ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ فَقَضَى اللّهُ حَجّنَا وَعُمْرَتنَا ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ [ ص 244 ] ابْنُ حَزْم عَنْ النّاسِ . وَاَلّذِي عَلَيْهِ الصّحَابَةُ وَالتّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنّ الْقَارِنَ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ كَمَا يَلْزَمُ الْمُتَمَتّعَ بَلْ هُوَ مُتَمَتّعٌ حَقِيقَةً فِي لِسَانِ الصّحَابَةِ كَمَا تَقَدّمَ وَأَمّا هَذَا الْحَدِيثُ فَالصّحِيحُ أَنّ هَذَا الْكَلَامَ الْأَخِيرَ مِنْ قَوْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، جَاءَ ذَلِكَ فِي"صَحِيحِ مُسْلِمٍ"مُصَرّحًا بِهِ فَقَالَ حَدّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا . .. فَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ . وَفِي آخِرِهِ قَالَ عُرْوَةُ فِي ذَلِكَ إنّهُ قَضَى اللّهُ حَجّهَا وَعُمْرَتَهَا . قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا صَدَقَةٌ . قَالَ أَبُو مُحَمّدٍ: إنْ كَانَ وَكِيعٌ جَعَلَ هَذَا الْكَلَامَ لِهِشَامٍ ، فَابْنُ نُمَيْرٍ ، وَعَبَدَةُ أَدْخَلَاهُ فِي كَلَامِ عَائِشَةَ ، وَكُلّ مِنْهُمَا ثِقَةٌ فَوَكِيعٌ نَسَبَهُ إلَى هِشَامٍ ، لِأَنّهُ سَمِعَ هِشَامًا يَقُولُهُ وَلَيْسَ قَوْلُ هِشَامٍ إيّاهُ بِدَافِعٍ أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ قَالَتْهُ فَقَدْ يَرْوِي الْمَرْءُ حَدِيثًا يُسْنِدُهُ ثُمّ يُفْتِي بِهِ دُونَ أَنْ يُسْنِدَهُ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا بِمُتَدَافِعٍ وَإِنّمَا يَتَعَلّلُ بِمِثْلِ هَذَا مَنْ لَا يُنْصِفُ وَمَنْ اتّبَعَ هَوَاهُ وَالصّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ أَنّ كُلّ ثِقَةٍ فَمُصَدّقٌ فِيمَا نَقَلَ . فَإِذَا أَضَافَ عَبَدَةُ وَابْنُ نُمَيْرٍ الْقَوْلَ إلَى عَائِشَةَ ، صُدّقَا لِعَدَالَتِهِمَا . وَإِذَا أَضَافَهُ وَكِيعٌ إلَى هِشَامٍ ، صُدّقَ أَيْضًا لِعَدَالَتِهِ وَكُلّ صَحِيحٌ وَتَكُونُ عَائِشَةُ قَالَتْهُ وَهِشَامٌ قَالَهُ . قُلْت: هَذِهِ الطّرِيقَةُ هِيَ اللّائِقَةُ بِظَاهِرِيّتِهِ وَظَاهِرِيّةِ أَمْثَالِهِ مِمّنْ لَا فِقْهَ لَهُ فِي عِلَلِ الْأَحَادِيثِ كَفِقْهِ الْأَئِمّةِ النّقّادِ أَطِبّاءَ عِلَلِهِ وَأَهْلِ الْعِنَايَةِ بِهَا ، وَهَؤُلَاءِ لَا [ ص 245 ] وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّ عَبَدَةَ وَابْنَ نُمَيْرٍ لَمْ يَقُولَا فِي هَذَا الْكَلَامِ قَالَتْ عَائِشَةُ ، وَإِنّمَا أَدْرَجَاهُ فِي الْحَدِيثِ إدْرَاجًا ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِهِمَا ، أَوْ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ أَوْ مِنْ هِشَامٍ ، فَجَاءَ وَكِيعٌ ، فَفَصّلَ وَمَيّزَ وَمَنْ فَصّلَ وَمَيّزَ فَقَدْ حَفِظَ وَأَتْقَنَ مَا أَطْلَقَهُ غَيْرُهُ نَعَمْ لَوْ قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ وَعَبَدَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ ، وَقَالَ وَكِيعٌ: قَالَ هِشَامٌ ، لَسَاغَ مَا قَالَ أَبُو مُحَمّد ٍ وَكَانَ مَوْضِعَ نَظَرٍ وَتَرْجِيحٍ . وَأَمّا كَوْنُهُنّ تِسْعًا وَهِيَ بَقَرَةٌ وَاحِدَةٌ فَهَذَا قَدْ جَاءَ بِثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ أَحَدُهَا أَنّهَا بَقَرَةٌ وَاحِدَةٌ بَيْنَهُنّ وَالثّانِي: أَنّهُ ضَحّى عَنْهُنّ يَوْمَئِذٍ بِالْبَقَرَةِ وَالثّالِثُ دَخَلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْتُ مَا هَذَا ؟ فَقِيلَ ذَبَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ أَزْوَاجِهِ وَقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ فِي عَدَدِ مَنْ تُجْزِئُ عَنْهُمْ الْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ فَقِيلَ سَبْعَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ ، وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَقِيلَ عَشَرَةٌ وَهُوَ قَوْلُ إسْحَاقَ . وَقَدْ ثَبَتَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ الْمَغَانِمَ