مُقِيمًا وَالْمُقِيمُ غَيْرُ مُسَافِرٍ وَرُدّ هَذَا التّأْوِيلُ بِأَنّ هَذِهِ إقَامَةٌ مُقَيّدَةٌ فِي أَثْنَاءِ السّفَرِ لَيْسَتْ بِالْإِقَامَةِ الّتِي هِيَ قَسِيمُ السّفَرِ وَقَدْ أَقَامَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَكّةَ عَشْرًا يَقْصُرُ الصّلَاةَ وَأَقَامَ بِمِنًى بَعْدَ نُسُكِهِ أَيّامَ الْجِمَارِ الثّلَاثِ يَقْصُرُ الصّلَاةَ . التّأْوِيلُ الْخَامِسُ أَنّهُ كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ وَالِاسْتِيطَانِ بِمِنًى وَاِتّخَاذِهَا دَارَ الْخِلَافَةِ فَلِهَذَا أَتَمّ ثُمّ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمَدِينَةِ وَهَذَا التّأْوِيلُ أَيْضًا مِمّا لَا يَقْوَى فَإِنّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوّلِينَ وَقَدْ مَنَعَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ الْإِقَامَةِ بِمَكّةَ بَعْدَ نُسُكِهِمْ وَرَخّصَ لَهُمْ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيّامٍ فَقَطْ فَلَمْ يَكُنْ عُثْمَانُ لِيُقِيمَ بِهَا وَقَدْ مَنَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ ذَلِكَ وَإِنّمَا رَخّصَ فِيهَا ثَلَاثًا وَذَلِكَ لِأَنّهُمْ تَرَكُوهَا لِلّهِ وَمَا تُرِكَ لِلّهِ فَإِنّهُ لَا يُعَادُ فِيهِ وَلَا يُسْتَرْجَعُ وَلِهَذَا مَنَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ شِرَاءِ الْمُتَصَدّقِ لِصَدَقَتِهِ وَقَالَ لِعُمَرَ: لَا تَشْتَرِهَا وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ [ ص 453 ] فَجَعَلَهُ عَائِدًا فِي صَدَقَتِهِ مَعَ أَخْذِهَا بِالثّمَنِ . التّأْوِيلُ السّادِسُ أَنّهُ كَانَ قَدْ تَأَهّلَ بِمِنًى وَالْمُسَافِرُ إذَا أَقَامَ فِي مَوْضِعٍ وَتَزَوّجَ فِيهِ أَوْ كَانَ لَهُ بِهِ زَوْجَةٌ أَتَمّ وَيُرْوَى فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَرَوَى عِكْرِمَةُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيّ عَنْ ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ صَلّى عُثْمَانُ بِأَهْلِ مِنًى أَرْبَعًا وَقَالَ يَا أَيّهَا النّاسُ لَمّا قَدِمْتُ تَأَهّلْت بِهَا وَإِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ إذَا تَأَهّلَ الرّجُلُ بِبَلْدَةٍ فَإِنّهُ يُصَلّي بِهَا صَلَاةَ مُقِيم رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ فِي"مُسْنَدِهِ"وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ الزّبَيْرِ الْحُمَيْدِيّ فِي"مُسْنَدِهِ"أَيْضًا وَقَدْ أَعَلّهُ الْبَيْهَقِيّ بِانْقِطَاعِهِ وَتَضْعِيفِهِ عِكْرِمَةَ بْنِ إبْرَاهِيمَ . قَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ بْنُ تَيْمِيّةَ: وَيُمْكِنُ الْمُطَالَبَةُ بِسَبَبِ الضّعْفِ فَإِنّ الْبُخَارِيّ ذَكَرَهُ فِي"تَارِيخِهِ"وَلَمْ يَطْعَنْ فِيهِ وَعَادَتُهُ ذِكْرُ الْجَرْحِ وَالْمَجْرُوحِينَ وَقَدْ نَصّ أَحْمَدُ وَابْنُ عَبّاسٍ قَبْلَهُ أَنّ الْمُسَافِرَ إذَا تَزَوّجَ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِمَا وَهَذَا أَحْسَنُ مَا اُعْتُذِرَ بِهِ عَنْ عُثْمَانَ . وَقَدْ اُعْتُذِرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنّهَا كَانَتْ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ فَحَيْثُ نَزَلَتْ كَانَ وَطَنَهَا وَهُوَ أَيْضًا اعْتِذَارٌ ضَعِيفٌ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبُو الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا وَأُمُومَةُ أَزْوَاجِهِ فَرْعٌ عَنْ أُبُوّتِهِ وَلَمْ يَكُنْ يُتِمّ لِهَذَا السّبَبِ . وَقَدْ رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنّهَا كَانَتْ تُصَلّي فِي السّفَرِ أَرْبَعًا فَقُلْت لَهَا: لَوْ صَلّيْتِ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَتْ يَا ابْنَ أُخْتِي إنّهُ لَا يَشُقّ عَلَيّ [ ص 454 ] قَالَ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ لَوْ كَانَ فَرْضُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ لَمَا أَتَمّهَا عُثْمَانُ وَلَا عَائِشَةُ وَلَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُتِمّهَا مُسَافِرٌ مَعَ مُقِيمٍ وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ: كُلّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَتَمّ وَقَصَرَ ثُمّ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمّدٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُلّ ذَلِكَ فَعَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَصَرَ الصّلَاةَ فِي السّفَرِ وَأَتَمّ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ عَطَاءٍ وَأَصَحّ إسْنَادٍ فِيهِ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيّ عَنْ الدّارَقُطْنِيّ عَنْ الْمَحَامِلِيّ حَدّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ ثَوّابٍ حَدّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ حَدّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَقْصِرُ فِي الصّلَاةِ وَيُتِمّ وَيُفْطِرُ وَيَصُومُ قَالَ الدّارَقُطْنِيّ: وَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ . ثُمّ