فهرس الكتاب

الصفحة 1009 من 4059

{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ(206)}

وَفِي قَوْلِهِ: (أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) نَوْعٌ مِنَ الْبَدِيعِ يُسَمَّى التَّتْمِيمَ، وهو إرداف الكلام بكلمة يرفع عَنْهُ اللَّبْسَ، وَتُقَرِّبُهُ لِلْفَهْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) وَذَلِكَ أَنَّ الْعِزَّةَ مَحْمُودَةٌ وَمَذْمُومَةٌ، فَالْمَحْمُودَةُ طَاعَةُ اللَّهِ، كَمَا قَالَ: (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ) (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) فَلَمَّا قَالَ: (بِالْإِثْمِ) اتَّضَحَ الْمَعْنَى وَتَمَّ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهَا الْعِزَّةُ الْمَذْمُومَةُ الْمُؤَثَّمُ صَاحِبُهَا.

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَغْضَبَ إِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ، أو تقول: أو لمثلي يُقَالُ هَذَا؟ وَقِيلَ لِعُمَرَ: اتَّقِ اللَّهَ، فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الْأَرْضِ تَوَاضُعًا.

وَقِيلَ: سَجَدَ، وَقَالَ: هَذَا مَقْدِرَتِي.

وَتَرَدَّدَ يَهُودِيٌّ إِلَى بَابِ هَارُونَ الرَّشِيدِ، سَنَةً فَلَمْ يَقْضِ لَهُ حَاجَةً، فَتَحَيَّلَ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: فَنَزَلَ هَارُونُ عَنْ دَابَّتِهِ، وَخَرَّ سَاجِدًا، وَقَضَى حَاجَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ:

تَذَكَّرْتُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) .

(فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ)

وَقُوبِلَ عَلَى اعْتِزَازِهِ بِعَذَابِ جَهَنَّمَ، وَهُوَ الْغَايَةُ فِي الذُّلِّ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: (اتَّقِ اللَّهَ) حَلَّ بِهِ مَا أُمِرَ أَنْ يَتَّقِيَهُ، وَهُوَ: عَذَابُ اللَّهِ، وَفِي قَوْلِهِ: (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ) اسْتِعْظَامٌ لِمَا حَلَّ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ، كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كَفَاكَ مَا حَلَّ بِكَ! إِذَا اسْتَعْظَمْتَ وَعَظَّمْتَ عَلَيْهِ مَا حَلَّ بِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت