فهرس الكتاب
وَلَمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَا فِي النَّارِ، وَذِكْرُ مَا فِي الْجَنَّةِ، أَكَّدَ تَعَالَى تَنْبِيهَ النَّاسِ. وَتَقْرِيرَ ذَلِكَ وَتَمْكِينَهُ فِي النفس بقوله: (نبئ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) .
وَنَاسَبَ ذِكْرَ الْغُفْرَانِ وَالرَّحْمَةِ اتِّصَالُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ) .
وَتَقْدِيمًا لِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفَ بِهِمَا نَفْسَهُ وَجَاءَ قَوْلُهُ: (وَأَنَّ عَذَابِي) فِي غَايَةِ اللُّطْفِ إِذْ لَمْ يَقُلْ عَلَى وَجْهِ الْمُقَابَلَةِ. وَأَنِّي الْمُعَذِّبُ الْمُؤْلِمُ، كُلُّ ذَلِكَ تَرْجِيحٌ لِجِهَةِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ. وَسَدَّتْ (أَنَّ) مَسَدَّ مَفْعُولَيْ نبئ إِنْ قُلْنَا إِنَّهَا تَعَدَّتْ إِلَى ثَلَاثَةٍ، وَمَسَدَّ وَاحِدٍ إِنْ قُلْنَا: تَعَدَّتْ إِلَى اثْنَيْنِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: غَفُورٌ لِمَنْ تَابَ، وَعَذَابُهُ لِمَنْ لَمْ يَتُبْ.
وَفِي قوله: (نبئ) الْآيَةَ، تَرْجِيحُ جِهَةِ الْخَيْرِ مِنْ جِهَةِ أَمْرِهِ تَعَالَى رَسُولَهُ بِهَذَا التَّبْلِيغِ، فَكَأَنَّهُ إِشْهَادٌ عَلَى نَفْسِهِ بِالْتِزَامِ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ. وَ
كَوْنُهُ أَضَافَ الْعِبَادَ إِلَيْهِ فَهُوَ تَشْرِيفٌ لَهُمْ، وَتَأْكِيدُ اسْمِ أَنَّ بِقَوْلِهِ: (أَنَا) . وَإِدْخَالُ (الْ) عَلَى هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ وَكَوْنُهُمَا جَاءَتَا بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ وَالْبَدَاءَةِ بِالصِّفَةِ السَّارَّةِ أَوَّلًا وَهِيَ الْغُفْرَانُ، وَاتِّبَاعُهَا بِالصِّفَةِ الَّتِي نَشَأَ عَنْهَا الْغُفْرَانُ وَهِيَ الرَّحْمَةُ.
وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «لَوْ يَعْلَمُ الْعَبْدُ قَدْرَ عَفْوِ اللَّهِ مَا تَوَرَّعَ عَنْ حَرَامٍ وَلَوْ يَعْلَمُ قَدْرَ عَذَابَهُ لَبَخَعَ نَفْسَهُ»
وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَعَ مِنَ الْبَابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ بَنُو شَيْبَةَ وَنَحْنُ نَضْحَكُ فَقَالَ: «أَلَا أَرَاكُمْ تَضْحَكُونَ» ثُمَّ أَدْبَرَ حَتَّى إذا كان عناء الْحَجَرِ، رَجَعَ إِلَيْنَا الْقَهْقَرَى فَقَالَ:
«جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ يَقُولُ اللَّهُ لم تقنط عبادي نبئ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» .