فهرس الكتاب

الصفحة 3937 من 4059

{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(7)وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ(8)}

وَتَقَدَّمَ شَرْحُ (تَأَذَّنَ) وَتَلَقِّيهِ بِالْقَسَمِ فِي قَوْلِهِ فِي الْأَعْرَافِ: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ)

وَاحْتَمَلَ (إِذْ) أَنْ يكون منصوبا باذكروا، وَأَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى (إِذْ أَنْجَاكُمْ) لِأَنَّ هَذَا الْإِعْلَامَ بِالْمَزِيدِ عَلَى الشُّكْرِ مَنْ نِعَمِهِ تَعَالَى.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُتَعَلّقَ الشُّكْرِ هُوَ الْإِنْعَامُ أَيْ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إِنْعَامِي.

قَالَ الْحَسَنُ: لَأَزِيدَنَّكُمْ مِنْ طَاعَتِي.

وَقَالَ الرَّبِيعُ: لَأَزِيدَنَّكُمْ مِنْ فَضْلِي.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ لَئِنْ وَحَّدْتُمْ وَأَطَعْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ فِي الثَّوَابِ. وَكَأَنَّهُ رَاعَى ظَاهِرَ الْمُقَابَلَةِ فِي قَوْلِهِ: (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) .

وَظَاهِرُ الْكُفْرِ الْمُرَادُ بِهِ الشِّرْكُ، فَلِذَلِكَ فَسَّرَ الشُّكْرَ بِالتَّوْحِيدِ وَالطَّاعَةِ وَغَيْرِهِ. قَالَ: (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ) أَيْ نِعْمَتِي فَلَمْ تَشْكُرُوهَا، رَتَّبَ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ عَلَى كُفْرَانِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَحَلِّ الزِّيَادَةِ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ فِيهِمَا، وَجَاءَ التَّرْكِيبُ عَلَى مَا عُهِدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَنَّهُ إذا ذكر الخبر أسند إليه تعالى.

وإذا ذُكِرَ الْعَذَابُ بَعْدَهُ عَدَلَ عَنْ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ فَقَالَ: لَأَزِيدَنَّكُمْ، فَنَسَبَ الزِّيَادَةَ إِلَيْهِ وَقَالَ: إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ، وَلَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ لَأُعَذِّبَنَّكُمْ، وَخَرَجَ فِي لَأَزِيدَنَّكُمْ بِالْمَفْعُولِ، وَهُنَا لَمْ يُذْكَرْ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَيْهِ أَيْ: إِنَّ عَذَابِي لَكُمْ لَشَدِيدٌ.

وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: وَإِذْ قَالَ رَبُّكُمْ، كَأَنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ: تَأَذَّنَ، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى أَذِنَ أَيْ: أَعْلَمَ، وَأَعْلَمَ يَكُونُ بِالْقَوْلِ.

ثُمَّ نَبَّهَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَوْمَهُ عَلَى أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى، وَإِنْ أَوْعَدَ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ عَلَى الْكُفْرِ، فَهُوَ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إِلَى شُكْرِكُمْ، لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ شُكْرِكُمْ، الْحَمِيدُ الْمُسْتَوْجِبُ الْحَمْدَ عَلَى مَا أَسْبَغَ مِنْ نِعَمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْمَدْهُ الْحَامِدُونَ، فَثَمَرَةُ شُكْرِكُمْ إِنَّمَا هي عائدة إليكم.

و (أنتم) خِطَابٌ لِقَوْمِهِ وَقَالَ: (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) يَعْنِي: النَّاسَ كُلَّهُمْ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ لَا يَدْخُلُونَ فِي مَنْ فِي الْأَرْضِ، وَجَوَابُ (إِنْ تَكْفُرُوا) مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى التَّقْدِيرُ: فَإِنَّمَا ضَرَرُ كفركم لاحقٌ بِكُمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِالْغِنَى الْمُطْلَقِ، وَالْحَمْدِ سَوَاءٌ كَفَرُوا أَمْ شَكَرُوا، وَفِي خِطَابِهِ لَهُمْ تَحْقِيرٌ لِشَأْنِهِمْ، وَتَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ فِي ذِكْرِ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت